المقدمة
المصائب سُنَّة إلهية جارية في حياة البشر، قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ” (البقرة:155). فهي اختبار من الله لعباده، يُميِّز بها الصادق من الكاذب، والصابر من الجازع.
أولاً: تعريف المصيبة لغة وشرعاً
1. المعنى اللغوي
- ما ينزل بالإنسان من مكروه
2. المعنى الشرعي
- كل ما يصيب الإنسان من ضراء في نفسه أو ماله أو أهله
- قال ابن القيم: “المصائب دواء من حكيم، يبتلي به عباده ليمحصهم وينقيهم”
ثانياً: أنواع المصائب في الإسلام
1. مصائب الأفراد
- المرض: قال ﷺ: “ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه” (متفق عليه)
- فقد المال: قال تعالى: “وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ”
- موت الأحبة: قال ﷺ: “إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم” (الترمذي)
2. مصائب الأمة
- الفتن العامة: قال ﷺ: “ستكون فتنٌ كقطع الليل المظلم” (أبو داود)
- الحروب والكوارث: قال تعالى: “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ” (الروم:41)
- الغلو في الدين: قال ﷺ: “هلك المتنطعون” (مسلم)
3. مصائب الكفار والعصاة
- العذاب الدنيوي: قال تعالى عن فرعون: “فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ” (النازعات:25)
- الحرمان من الهداية: قال تعالى: “وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ” (الأنعام:110)
4. مصائب الأنبياء
- أذى القوم: كما في قصة نوح: “قَالُوا لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ” (الشعراء:116)
- الصبر على البلاء: أيوب عليه السلام: “إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا” (ص:44)
ثالثاً: حِكَم المصائب في الإسلام
- تمحيص الإيمان: قال تعالى: “أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ” (العنكبوت:2)
- التكفير عن الذنوب: قال ﷺ: “ما يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وما عليه خطيئة” (الترمذي)
- رفع الدرجات: قال ﷺ: “إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمله ابتلاه” (أبو داود)
- التذكير بحقارة الدنيا: قال تعالى: “اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ” (الحديد:20)
- إظهار صدق الصابرين: قال تعالى: “وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ” (آل عمران:154)
رابعاً: موقف المسلم من المصائب
1. الصبر الجميل
- قال تعالى: “وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ” (البقرة:155)
- قال ابن مسعود: “الصبر نصف الإيمان”
2. الرضا بقضاء الله
- قال ﷺ: “إن عظم الجزاء مع عظم البلاء” (الترمذي)
- قول الإمام أحمد وهو يُضرب: “اللهم إن كنتَ قد قبلتَ هذا الضرب فاقبله”
3. الاسترجاع
- “إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ” (البقرة:156)
- كان عمر يقول: “نعم العدلان، ونعم العوضان”
4. الدعاء واللجوء إلى الله
- دعاء الكرب: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين” (الأنبياء:87)
- قال ﷺ: “الدعاء هو العبادة” (الترمذي)
خامساً: نماذج من صبر الأنبياء على المصائب
1. أيوب عليه السلام
- “أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ” (الأنبياء:83)
2. يعقوب عليه السلام
- “فَصَبْرٌ جَمِيلٌ” (يوسف:18)
3. محمد ﷺ
- عند موت ابنه إبراهيم: “إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا”
سادساً: أخطاء في التعامل مع المصائب
- السخط والتسخط
- الاعتراض على قدر الله
- التشكي لغير الله
- اليأس من رحمة الله
- ترك الأخذ بالأسباب
الخاتمة
المصائب مدرسة إيمانية يتخرج منها المؤمنون صافين مخلصين، قال تعالى: “وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ” (الفرقان:20). فليتخذ المؤمن الصبر دثاراً، واليقين سلاحاً، فإن العاقبة للتقوى
إقرأ أيضا:الولاء والبراء في الإسلام: عقيدة التوحيد والتميّز