المقدمة
خلق الله الإنسان على فطرة سليمة تميل إلى الخير والهدى، وجعل في قلبه نوراً يميز به بين الحق والباطل، ولكن الشهوات والشبهات قد تعمي هذه الفطرة وتجعل الإنسان ينحرف عن جادّة الصواب. فما هي الفطرة؟ وكيف تتناقض مع المعصية؟ وما العلاج الشرعي لهذا التناقض؟
أولاً: تعريف الفطرة في الإسلام
الفطرة هي الجبلة التي خلق الله الناس عليها، وهي الاستعداد الفطري للإيمان بالله واتباع الخير. قال تعالى:
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
وفي الحديث الصحيح:
«كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (متفق عليه).
فالفطرة السليمة تدعو إلى التوحيد والفضيلة، وتنفر من الكفر والفسوق.
ثانياً: كيف تتناقض المعصية مع الفطرة؟
المعصية خروج عن الفطرة السليمة، لأنها تصادم الغريزة الإيمانية التي فطر الله الناس عليها. وهذا التناقض يظهر في عدة أمور:
1- الصراع الداخلي بين القلب والعمل
- المؤمن حين يقع في المعصية يشعر باضطراب وقلق، لأن فطرته تنازعه نحو التوبة والاستقامة.
- قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 7-10).
2- فقدان الطمأنينة
- الفطرة السليمة تستمتع بالطاعة وتأنس بها، أما المعصية فتُحدث في النفس وحشة وضيقاً.
- قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل: 97).
3- انحراف الغرائز عن مسارها الصحيح
- الفطرة تدعو إلى الزواج الشرعي، فإذا انحرف الإنسان إلى الزنا أو الشذوذ خالف فطرته.
- الفطرة تدعو إلى الكسب الحلال، فإذا لجأ إلى السرقة أو الغش خالف فطرته.
ثالثاً: أسباب انحراف الفطرة عن مسارها
- التأثير السلبي للبيئة (رفاق السوء، الإعلام الفاسد).
- غفلة القلب بسبب البعد عن ذكر الله.
- تزيين الشيطان للمعاصي، كما قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ (النمل: 24).
- الاستمرار في الذنوب حتى تُقَسّي القلب.
رابعاً: كيف نعود إلى الفطرة السليمة؟
- التوبة النصوح والرجوع إلى الله.
- مجاهدة النفس وكسر حاجز الشهوات.
- صحبة الصالحين الذين يعينون على الخير.
- الدعاء بأن يثبت الله القلب على الفطرة، كما في حديث: «يا مقلب القلوب، ثبّت قلبي على دينك».
- تزكية النفس بالعبادة والذكر.
الخاتمة
الفطرة السليمة نعمة من الله، والمعصية خروج عنها يؤدي إلى الشقاء. والعلاج يكون بالعودة إلى الله وتطهير القلب من أدران الذنوب. فمن أراد السعادة الحقيقية، فليتبع فطرته التي فطره الله عليها، وليجتنب ما يفسدها.
إقرأ أيضا:القوة في الإسلام: أساس العزة ومفتاح النصرقال رسول الله ﷺ:
«إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك» (متفق عليه).
فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.
