كان الصبر من أعظم صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو صبر فريد يتجاوز التحمل إلى الثبات على المبدأ والرجاء في الله. لقد كان صبره متعدداً، شمل الصبر على الأذى الجسدي، وعلى التكذيب، وعلى الشدائد في الدعوة والجهاد.
1. صبره على الأذى الجسدي واللفظي
واجه النبي صلى الله عليه وسلم أشد أنواع الإيذاء من قومه، خاصة في الفترة المكية:
- أذى الطائف: تعرض لأذى لا نظير له في الطائف، حيث رُشق بالحجارة حتى سال دمه الشريف. ورغم ذلك، عندما عرض عليه ملك الجبال أن يُطبق عليهم الأخشبين، رفض وقال: “بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا“.
- الإهانة في مكة: تعرض للسخرية والسب والرمي بالأوساخ، ولكنه لم يقابل ذلك إلا بـ العفو والدعاء بالهداية.
- قصة سل الجزور: عندما وضع الكفار على ظهره سَلَى الجزور (الأمعاء والقاذورات) وهو ساجد، ظل صابراً لا يرفع رأسه حتى جاءت ابنته فاطمة وأزالت الأذى عنه.
2. صبره على التكذيب والإعراض
لقد صبر النبي صلى الله عليه وسلم سنوات طويلة على رفض قومه لدعوته وتكذيبهم لرسالته:
إقرأ أيضا:فضل تربية البنات في السنة النبوية- الصبر على الهجر والحصار: تحمل حصار قريش الظالم في شِعب أبي طالب لثلاث سنوات، عاش خلالها هو وأصحابه أصعب الظروف من الجوع والحرمان.
- الرد على السخرية: كان قومه يصفونه بأنه شاعر وساحر وكاهن ومجنون، فكان يقابلهم بالبينة والبيان، متذكراً قول الله تعالى: (
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
) (الأحقاف: 35).
- الاستقامة على الأمر: صبر على ثباته على التوحيد، ولم يقبل أي مساومة أو تنازل عن أصول دينه مقابل الكف عن إيذائه.
3. صبره على الابتلاءات الشخصية
شمل صبره الشدائد التي تعرض لها في حياته الخاصة والأسرية:
- عام الحزن: تحمل في عام واحد وفاة سنديه العظيمين: عمه أبي طالب وزوجته خديجة رضي الله عنها، ولكنه لم يتوقف عن الدعوة رغم ضياع سنده الاجتماعي.
- فقد الأبناء: عاش فاجعة فقد أبنائه وبناته جميعاً في حياته إلا فاطمة، وكان يُسلّم أمره لله ويقول عند وفاة ابنه إبراهيم: “إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون“.
4. ثمرة الصبر ونتيجته
كانت نهاية صبر النبي صلى الله عليه وسلم هي الفتح والنصر العظيم. فصبره لم يكن سلبياً، بل كان إيجابياً عاملاً، استمر معه في الدعوة والجهاد حتى تحقق:
إقرأ أيضا:شمائل النبي ﷺ- انتصار المنهج: انتهى به المطاف إلى فتح مكة، أكبر معاقل معارضيه، ودخول الناس في دين الله أفواجاً.
- القدوة للأمة: أصبح صبره هو المنهج الذي يجب أن تتبعه الأمة عند مواجهة الفتن والشدائد، وقد جعله الله تعالى صفة لازمة للفلاح: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200).
إن صبر النبي صلى الله عليه وسلم كان نموذجاً للقوة الداخلية واليقين المطلق بأن العاقبة للمتقين.
إقرأ أيضا:حِفظ الأسرار في سيرة النبي المختار