عيادة المريض الكافر ورقيته والدعاء له
يُعدّ المرض ابتلاءً من الله تعالى يصيب المسلم وغير المسلم، ومن مكارم الإسلام معاملة غير المسلمين بالبر والإحسان ما لم يكونوا محاربين، استنادًا إلى قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة الممتحنة: 8). ومن صور هذا البر عيادة المريض غير المسلم، ورقيته، والدعاء له بالشفاء والهداية.
الدليل من السنة النبوية
ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد غلامًا يهوديًا كان يخدمه، فلما مرض جلس عند رأسه وقال له: “أسلم”، فنظر الغلام إلى أبيه فقال: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: “الحمد لله الذي أنقذه من النار”. كما عاد عمه أبا طالب في مرض موته ودعاه إلى الإسلام.
وفي حديث آخر، رقى الصحابة رجلاً كافرًا لديغًا بفاتحة الكتاب، فشفي، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، مما يدل على جواز الرقية لغير المسلم.
آراء الفقهاء في عيادة المريض الكافر
اتفق جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على جواز عيادة المريض غير المسلم، بل استحبابها إذا رُجي منها تأليف قلبه أو دعوته إلى الإسلام. وقد اختار شيخ الإسلام ابن تيمية جوازها مطلقًا لما فيها من مصلحة.
إقرأ أيضا:تمكين الكافر من المصحف: الحكم الشرعي وأدلته وآراء الفقهاء- قال الشيخ ابن باز رحمه الله: “لا بأس بعيادة الكافر إذا رُجي إسلامه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الغلام اليهودي وأبي طالب”.
- وفي موقع إسلام ويب: “لا حرج من عيادة المريض الكافر، بل تشرع إذا كان الغرض تأليف قلبه ودعوته إلى الإسلام”.
- أما دار الإفتاء المصرية: فأكدت جواز زيارة المريض غير المسلم، سواء في المرض أو غيره، تعبيرًا عن سماحة الإسلام.
والعلة في الاستحباب هي الإحسان إلى الخلق، والدعوة إلى الله، مع مراعاة عدم الخلوة أو ما يخالف الشرع.
حكم رقية الكافر والدعاء له بالشفاء
يجوز رقية غير المسلم بالقرآن والأدعية الشرعية، إذا لم يكن حربيًا، ودون تمكينه من مس المصحف مباشرة، بل بالقراءة عليه أو النفث.
- قال الشيخ ابن باز رحمه الله: “لا بأس أن يرقيه المسلم، مثل ما يعطيه الدواء، إذا كان مستأمنًا”.
- وفي فتاوى اللجنة الدائمة: “يجوز علاج غير المسلم بالقرآن بالقراءة عليه والدعاء له بالشفاء والهداية”.
- أما الدعاء بالشفاء: فيجوز مطلقًا، خاصة إذا كان قريبًا أو رُجي هدايته، ويُستحب الدعاء له بالهداية أيضًا. ولا يجوز الدعاء له بالمغفرة أو الرحمة بعد الموت إن مات على كفره.
وينفع القرآن الكافر في الشفاء الجسدي، كما في حديث الرقية لللديغ، وإن كان الشفاء الروحي خاصًا بالمؤمنين.
إقرأ أيضا:الاحتفال بأعياد الكفار: الحكم الشرعي وأدلته وآراء العلماءالاستثناءات والضوابط
- لا تجوز العيادة أو الرقية للكافر الحربي المحارب للمسلمين.
- يُستحب في العيادة الدعوة إلى الإسلام بلطف، والدعاء بالشفاء والهداية.
- إذا طلب الكافر الرقية بنفسه، فهو أولى بالإجابة، رجاء هدايته.
الخلاصة
الراجح عند أهل العلم جواز عيادة المريض الكافر ورقيته والدعاء له بالشفاء، بل استحباب ذلك إذا اقترن بدعوته إلى الإسلام أو تأليف قلبه، تعبيرًا عن سماحة الدين وإحسانه إلى الخلق. ففي ذلك أجر عظيم، ورجاء هداية من الله تعالى. والله أعلم.
