الله والكون

قدرة الله في الكون

 

قدرة الله في الكون: البراهين الكونية على العظمة الإلهية

 

تُعد القدرة الإلهية المطلقة هي الصفة الجامعة التي يرتكز عليها الإيمان، والكون بكل ما فيه من اتساع وتعقيد هو الشاهد الأعظم على هذه القدرة. إن النظر في هندسة الكون الكبرى، من أصغر الذرات إلى أضخم المجرات، يكشف عن آيات لا تنتهي تثبت أن الخالق مُنَزَّه عن العجز والنقص.


 

أولاً: الإيجاد من العدم والقدرة على الخلق الأول

 

تتجلى القدرة الإلهية في صورتها الأسمى في مرحلة الإيجاد والتكوين، وهي ما يُعرف بـ الخلق الأول:

 

1. الإبداع الكوني (Ex Nihilo)

 

أعظم دليل على القدرة هو إيجاد الكون الهائل، بكل مادته وطاقته وزمانه ومكانه، من العدم المطلق. هذا الخلق لم يتم بناءً على نموذج سابق، بل هو محض إبداع أصيل:

  • كلمة “كن”: لخص القرآن الكريم هذه القدرة المطلقة في الأمر الإلهي الموجز: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (يس: 82). فليس هناك حاجة لأدوات، مواد، أو زمن، بل هي إرادة مُطلقة تتحول فوراً إلى وجود.

 

إقرأ أيضا:القرآن أول كتاب يربط بناء الكون بتوسّعه

2. تناسب القوانين (الضبط المُحكم)

 

إن القوانين الأساسية التي تحكم الكون (مثل قوة الجاذبية، والقوة الكهرومغناطيسية، وثوابت الفيزياء) مضبوطة بدقة متناهية. أي تغيير طفيف في هذه الثوابت كان سيؤدي إلى انهيار الكون أو استحالة نشأة الحياة. هذا “الضبط الدقيق” (Fine-Tuning) يشهد على وجود خالق حكيم، وضع هذه المعادلات بدقة بالغة لتمكين الوجود.


 

ثانياً: القدرة في الاتساع والتعقيد (الكون الأكبر)

 

تُظهر الأبعاد الكبرى للكون مدى سعة القدرة الإلهية التي لا يحدها تصور:

 

1. النسيج الكوني (العظمة الهيكلية)

 

الكون ليس مجرد نجوم ومجرات متناثرة، بل هو بناء هيكلي ضخم يُعرف بـ النسيج الكوني (Cosmic Web). هذا النسيج يتكون من خيوط ضخمة من المجرات تربط بين عناقيد فائقة، وتفصل بينها فراغات هائلة.

  • هذا النظام الهائل يؤكد أن الكون مُنظَّم بشكل لا يصدق، وهو ما يتفق مع وصف القرآن للسماء بأنها بناء خالٍ من الفطور والتفاوت، أي لا يوجد خلل في هذا البناء الهائل: ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾ (الملك: 3).

 

2. المادة المظلمة والمجهول

 

إقرأ أيضا:شبهات حول نشأة الكون _ الصدفة

أكبر دليل على سعة القدرة هو ما لا نراه. يؤكد العلماء أن ما نعرفه من مادة الكون المرئية (النجوم والمجرات) لا يشكل سوى حوالي 5% من الكون، بينما الباقي (95%) هو مادة مظلمة وطاقة مظلمة مجهولة.

  • هذا يؤكد الحقيقة القرآنية بأن علم الإنسان محدود، وأن هناك عوالم وجنوداً وقوى لا يحيط بها علمنا: ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (الإسراء: 85).

 

3. الحركة الكونية (التسخير)

 

كل شيء في الكون يتحرك وفق مسارات محددة لا يمكن أن يتجاوزها أو يسبقها، من دوران الإلكترونات حول النواة إلى سباحة المجرات في الفضاء:

  • ﴿لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (يس: 40). هذه الدقة في الحركة دليل على التسخير المطلق والقدرة على إدارة الكون دون حاجة لمراجعة أو كلل.

 

ثالثاً: قدرة الفناء والإعادة (النهاية والبعث)

 

لا تقتصر القدرة الإلهية على الخلق والإحياء، بل تشمل الإفناء والإعادة، وهو ما يُعد أساس العقيدة:

 

1. شموس تبتلع كواكبها (الفناء)

 

إقرأ أيضا:القرآن الكريم ونظرية داروين: توافق أم تضاد؟

ظاهرة تحول النجوم (كالشمس) إلى عملاق أحمر وابتلاعها للكواكب القريبة يؤكد أن الكون ليس أبديًا، وأن نظام الأجرام السماوية سينتهي حتماً. هذه المشاهد الكونية العظيمة تتفق مع أوصاف القرآن ليوم القيامة:

  • ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ (التكوير: 1-2). هذا المشهد هو دليل على أن الذي خلق هذه النظم العظيمة قادر على إنهائها وتغييرها بأمره.

 

2. البعث والإحياء بعد الموت

 

الاحتجاج بالخلق الأول هو البرهان الأعظم على القدرة على الإعادة. فإذا كان الله قادراً على خلق الإنسان من تراب وماء، ثم إحياء الأرض الميتة بالنبات بعد موتها، فمن باب أولى أن يكون قادراً على إعادة إحياء الأجساد التي تحللت:

  • ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ۚ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (الروم: 27).

 

خاتمة

 

إن قدرة الله في الكون هي آية جامعة لا يحيط بها العقل، تتجلى في كل بناء مُتقن، وكل حركة دقيقة، وكل سر مكتشف أو مخفي. إن التفكر في هذه الآيات يرسخ في قلب المؤمن اليقين بأن الخالق قادر على كل شيء، وأن العظمة المطلقة والكمال المطلق لا تكون إلا لله وحده، وهو ما يستدعي دوام الخشوع والتوكل عليه.

السابق
مظاهر قدرة الله في الكون
التالي
صور قدرة الله