مكة عبر العصور

قريش وبناء الكعبة: دراسة شرعية وتاريخية

قريش وبناء الكعبة

قريش وبناء الكعبة

المقدمة

الكعبة المشرفة هي أول بيت وُضع للناس لعبادة الله تعالى، كما قال الله سبحانه:

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} (آل عمران: 96).

وقد مر بناء الكعبة بعدة مراحل عبر التاريخ، بدءًا من بناء الملائكة لها، ثم بناء النبيين إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، وصولًا إلى إعادة بنائها من قبل قبيلة قريش قبل البعثة النبوية بخمس سنوات، وهي الحادثة التي اشتهرت بـ “بناء قريش للكعبة”.

في هذا المقال، سنتناول بالتفصيل:

  1. مكانة قريش قبل الإسلام.

  2. قصة بناء قريش للكعبة ودور النبي ﷺ فيها.

  3. الأحكام الشرعية المستفادة من هذا الحدث.

  4. الدروس والعبر من مشاركة قريش في بناء البيت الحرام.


1. مكانة قريش قبل الإسلام

قريش هي القبيلة العربية العريقة التي ينتمي إليها النبي محمد ﷺ، وقد كانت تحتل مكانة عظيمة في الجزيرة العربية لعدة أسباب:

أ. النسب الشريف

ينتسبون إلى فهر بن مالك بن النضر (قريش)، وهو الجد الأعلى للنبي ﷺ، وقد ورد في فضلهم حديث:

إقرأ أيضا:حرمة مكة المكرمة وقداستها: المدينة المقدسة في الإسلام

“إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم” (رواه مسلم).

ب. السقاية والرفادة

كانت قريش تتولى مهمة سقاية الحجاج (توفير الماء لهم) والرفادة (إطعام الفقراء)، مما جعلها في مكانة رفيعة بين العرب.

ج. حماية الكعبة

كانت قريش مسؤولة عن حراسة الكعبة وخدمتها، مما أكسبها هيبة واحترامًا بين القبائل.


2. قصة بناء قريش للكعبة

قبل البعثة النبوية بخمس سنوات (حوالي سنة 605م)، تعرضت الكعبة لسيول جارفة أضعفت بنيانها، فاجتمعت قريش لإعادة بنائها.

أ. سبب البناء

  • كانت الكعبة مبنية بحجارة مرصوصة دون طين، فضعفت مع مرور الزمن.

  • حدث حريق بسبب امرأة كانت تبخر الكعبة فاشتعلت النيران في أخشابها.

  • السيول أتت على أجزاء من جدرانها، فخافت قريش أن تنهدم.

ب. قرار البناء

اجتمعت قريش واتفقوا على هدم الكعبة وإعادة بنائها، لكنهم خافوا من انتهاك حرمتها، فقال وليد بن المغيرة (أحد زعماء قريش):

“الله لا يهلك من أراد صلاحًا”، فبدأ بهدم جزء منها، فلما رأوا أنه لم يصبه مكروه، تابعوا الهدم.

إقرأ أيضا:قصي بن كلاب وسيادته على مكة: دراسة تاريخية وشرعية

ج. توزيع الأدوار

قسمت قريش العمل بين بطونها:

  • بنو عبد مناف وبنو زهرة بنوا الركنين الشامي والغربي.

  • بنو مخزوم وبنو تيم بنوا الركنين اليماني والشرقي.

  • تولى النبي ﷺ (وكان عمره 35 سنة) نقل الحجارة مع عمه العباس.

د. اختلافهم في وضع الحجر الأسود

عندما وصلوا إلى موضع الحجر الأسود، اختلفوا فيمن يضعه، وكادوا يقتتلون، حتى اتفقوا على أن يحكّموا أول داخل من باب الصفا، فكان النبي محمد ﷺ، فقالوا: “هذا الأمين، رضينا به”.

فأمر ﷺ بوضع الحجر في ثوب، ثم أمر كل زعيم أن يمسك بطرف منه، ثم وضعه بيده الكريمة في مكانه، فحلَّت المشكلة بحكمة.

هـ. التغييرات التي أدخلتها قريش على الكعبة

  • زادوا في ارتفاعها إلى 18 ذراعًا (حوالي 9 أمتار).

  • جعلوا لها سقفًا من خشب الدوم.

  • قلصوا طولها من الجهة الشمالية (الحِجْر) بسبب نقص المال الحلال، فصارت على شكلها الحالي.


3. الأحكام الشرعية المستفادة من بناء قريش للكعبة

هذه القصة تحوي العديد من الدروس الفقهية والعبر الإيمانية:

إقرأ أيضا:مكة في العصر العباسي

أ. مشروعية تجديد بناء المساجد

إعادة بناء الكعبة دليل على جواز تجديد المساجد وترميمها إذا دعت الحاجة.

ب. أهمية الإخلاص في العمل

قريش بنت الكعبة بنية صالحة، لكن بعضهم كان يريد السمعة، فلم يقبل الله عملهم كاملًا، كما في الحديث:

“لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولألصقتها بالأرض…” (متفق عليه).

ج. فضل الحكمة في حل النزاعات

موقف النبي ﷺ في حل مشكلة الحجر الأسود يعلمنا أن الحكمة والعدل يدفعان الشر.

د. أن الكعبة لا تُبنى إلا من مال حلال

قصرت قريش في بناء الكعبة لأنهم لم يستخدموا إلا المال الطيب، فلم يقبلوا مال الربا أو الظلم.


4. الدروس والعبر من بناء قريش للكعبة

  1. التعاون على البر حتى مع وجود اختلافات.

  2. الاحترام بين القبائل وعدم التعدي على حقوق الآخرين.

  3. دور الشباب في خدمة الدين، كما شارك النبي ﷺ وهو شاب.

  4. أن العبادة تحتاج إلى نية خالصة، وإلا أصبحت عادة.


الخاتمة

بناء قريش للكعبة كان حدثًا عظيمًا في تاريخ مكة، وقد شارك فيه النبي ﷺ قبل بعثته، مما يدل على مكانة هذا البيت العتيق في الإسلام.

ورغم أن قريشًا كانت تعبد الأصنام، إلا أنهم احترموا حرمة الكعبة، مما يدل على أن الفطرة السليمة تدعو إلى تعظيم شعائر الله.

فلنعتبر بهذه القصة، ولنعمل على خدمة بيوت الله بإخلاص، حتى يقبل الله منا كما قبل من إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 127).

السابق
قصي بن كلاب وسيادته على مكة: دراسة تاريخية وشرعية
التالي
مكة المكرمة في العصر النبوي: من البعثة إلى الفتح