شبهات تشريعية

كيف يضل من يشاء ويهدي من يشاء ؟

 

كيف يضل من يشاء ويهدي من يشاء؟ جدلية التسيير والتخيير في العقيدة الإسلامية

 

تُعد مسألة هداية الله وإضلاله من أعمق وأكثر القضايا تعقيداً في العقيدة الإسلامية، والتي تثير جدلاً واسعاً حول مفهوم العدل الإلهي وحرية الإرادة الإنسانية. ينص القرآن الكريم على أن الله هو الهادي والمضل: ﴿يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ (النحل: 93). لفهم هذه المعادلة، لا بد من الجمع بين النصوص التي تؤكد القدرة المطلقة لله وبين النصوص التي تؤكد مسؤولية الإنسان واختياره.


 

1. الإضلال والهداية كفعل إلهي مطلق (التسيير)

 

في المنظور العقدي، لا يمكن أن يحدث شيء في الكون إلا بإذن الله ومشيئته وقدره. الإضلال والهداية هنا هما مظهران لـالقدرة الإلهية المطلقة، التي لا يُلزمها شيء:

  • مشيئة الله الشاملة: يعتقد المسلمون أن الله هو خالق كل شيء، بما في ذلك أفعال العباد وصفاتهم. فالله هو الذي يخلق في العبد القدرة على الفعل، سواء كان خيراً أو شراً.
  • الخلق والتقدير: الهداية والإضلال يندرجان تحت مفهوم القدر الإلهي. لا يعني هذا الجبر المطلق، بل يعني أن مصير العبد، في نهاية المطاف، هو علم إلهي سابق وتقدير نافذ لا يستطيع العبد الخروج عنه.
  • الهداية كتوفيق إلهي: هداية الله هي توفيق منه، لا يمكن لأحد أن ينالها بجهده الخاص وحده، بل هي منحة إلهية تُفتح للمستحقين.

 

إقرأ أيضا:حول حد الردة

2. الإضلال والهداية كـ “جزاء” على اختيار العبد (التخيير)

 

تجنباً للجبرية التي تلغي مسؤولية الإنسان، يؤكد علماء العقيدة أن مشيئة الله في الإضلال والهداية غالباً ما ترتبط بـاختيار العبد المسبق، فيصبح الفعل الإلهي جزاءً على هذا الاختيار.

الحالة اختيار العبد (الفعل البشري) إرادة الله (الجزاء الإلهي) الآية الدالة
الهداية الاجتهاد في البحث عن الحق والسعي في الخير. يوفقه، يسهل له الطريق، ويثبته. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: 69)
الإضلال الاستكبار، العناد، الإصرار على الباطل، والظلم. يخذله، يطبع على قلبه، ويزيغ بصره عن الحق. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (الصف: 5)

 

دور إرادة العبد:

 

الله يُضلّ من “يختار” طريق الضلال، ويترك نور الإيمان عمداً، ويغرق في الذنوب، فـيُعاقبه الله على سوء اختياره بأن يمنعه التوفيق (الإضلال). وبالمقابل، يهدي الله من “يختار” طريق الهداية، ويجاهد نفسه، ويسعى بصدق، فـيثيبه الله على حسن اختياره بأن يزيده توفيقاً (الهداية).

إقرأ أيضا:نحن نفعل الخير لأنه خير وأنتم تبحثون عن الأجر

 

3. أنواع الهداية (التفسير التفصيلي)

 

لتوضيح الفرق بين الدور الإلهي والدور البشري، يميز العلماء بين أنواع الهداية:

  1. هداية البيان والدلالة (الدور البشري): هي الهداية العامة التي وهبها الله لجميع البشر عن طريق العقل، وإرسال الرسل والأنبياء، وإنزال الكتب. هذه الهداية متاحة للجميع، وهي التي تُحاسب عليها البشرية.
    • ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: 10) (طريق الخير والشر).
  2. هداية التوفيق والإلهام (الدور الإلهي): هي التثبيت الداخلي وخلق القناعة في القلب وقبول الحق. وهذه الهداية لا يملكها إلا الله، وهي النتيجة والجزاء على حسن استخدام العبد لهداية البيان.

 

إقرأ أيضا:الدين كمرجعية أخلاقية: رؤية إسلامية شاملة

الخلاصة:

 

إن إسناد الهداية والإضلال لله يعود إلى أن المشيئة المطلقة لله هي السبب الأول والأساس لكل شيء، ولكن هذه المشيئة مقرونة بالعدل الإلهي الذي يجعل اختيار العبد هو السبب المباشر والمكلف الذي يستحق عليه الثواب أو العقاب. فالله لا يُضل إلا من اختار بنفسه الانحراف، وعندئذ يصبح الإضلال جزاءً، وليس جَبراً مجرداً.

السابق
ادعو فلا يستجاب لي: فهم الدعاء وأسباب تأخر الإجابة
التالي
حول حد الردة