مقدمة
القرآن الكريم كتاب الله المعجز، بدأ كل سورة فيه بالبسملة: “بسم الله الرحمن الرحيم”، التي تجمع بين الرحمة والبركة، إلا سورة واحدة فقط، وهي سورة التوبة. هذا الاستثناء أثار تساؤلات بين المسلمين منذ عهد الصحابة، وكان له دلالات عميقة مرتبطة بموضوع السورة ومقاصدها.
في هذا المقال سنتعرف على الأسباب التي ذكرها العلماء لعدم كتابة البسملة في سورة التوبة، وما المعاني المستفادة من ذلك.
نص افتتاح سورة التوبة
قال الله تعالى:
﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 1].
افتتحت السورة بكلمة “براءة”، وهي إعلان صارم بقطع العهود مع المشركين، مما يوضح طبيعة السورة منذ بدايتها.
أسباب عدم كتابة البسملة في سورة التوبة
1. لأنها سورة غضب وحرب
-
البسملة رحمة وطمأنينة، بينما سورة التوبة افتتحت بإعلان البراءة من المشركين ونقض عهودهم.
-
فالمناسبة هنا هي التحذير والإنذار والقتال، وليس الرحمة والطمأنينة.
-
لذلك لم تبدأ بالبسملة حتى ينسجم مطلعها مع مضمونها.
2. إجماع الصحابة
-
اتفق الصحابة عند جمع القرآن زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه على عدم كتابة البسملة في أول سورة التوبة.
إقرأ أيضا:عدد آيات القرآن الكريم وحروفه -
لأن النبي ﷺ لم يأمر بكتابتها فيها.
-
قال عثمان: كانت سورة التوبة من آخر ما نزل، وكانت قصتها شبيهة بقصة الأنفال، وظننا أنها منها، فقبض رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما ولم أكتب بينهما بسم الله الرحمن الرحيم.
3. تشابهها مع سورة الأنفال
-
بعض الصحابة رأوا أن سورة التوبة والأنفال كأنهما سورة واحدة، لأن موضوعهما واحد وهو القتال وأحكامه.
-
لذلك لم توضع بسملة فاصلة بينهما، باعتبار أن التوبة امتداد للأنفال.
4. البسملة رحمة وهذه سورة تبرؤ
-
قال العلماء: إن البسملة تتضمن صفة الرحمة، بينما سورة التوبة نزلت بالبراءة والإنذار والقتال، فلا يناسبها البدء بالرحمة.
-
قال القرطبي: لم تكتب البسملة لأن البسملة رحمة، وهذه السورة نزلت بالسيف ونقض العهود.
معاني سورة التوبة
-
البراءة من المشركين: إعلان انتهاء العهود مع الكفار.
-
التحذير من المنافقين: فضحت السورة المنافقين وذكرت صفاتهم.
إقرأ أيضا:معلومات عن علوم القرآن الكريم -
الدعوة للتوبة: مع شدتها، إلا أنها فتحت باب التوبة.
-
الجدية في الدين: لا مكان للتهاون مع أعداء الله.
الدروس المستفادة
-
الإسلام دين رحمة، لكن عند العدوان تُرفع السيوف دفاعًا عن الحق.
-
البسملة رحمة، لكن الموضع هنا مقام قوة وحزم.
-
السورة تعلّم المسلمين الوفاء بالعهود، ولكن مع من يلتزم بها فقط.
-
عدم كتابة البسملة فيها دليل على دقة الصحابة في جمع القرآن كما أنزل.
أقوال العلماء
-
ابن كثير: سورة التوبة فضحت المنافقين وبرأت الله ورسوله من المشركين، فلم تناسبها البسملة.
-
السيوطي: اختلفوا هل الأنفال والتوبة سورة واحدة أم سورتان، فتركوا البسملة بينهما للفصل بين القولين.
-
الطبري: افتتحت بالبراءة لا بالرحمة، فناسبها عدم ذكر البسملة.
الفرق بين الأنفال والتوبة
-
سورة الأنفال نزلت في غزوة بدر، بينما سورة التوبة نزلت بعد غزوة تبوك.
إقرأ أيضا:سبب نزول سورة النور في القرآن الكريم -
الأنفال تتحدث عن الغنائم وأحكامها، بينما التوبة تتحدث عن فضح المنافقين والبراءة من المشركين.
-
رغم التشابه في موضوع القتال، إلا أن التوبة أشد حزمًا وصراحة.
الخاتمة
عدم افتتاح سورة التوبة بالبسملة حكمة إلهية عظيمة؛ فهي سورة غضب وحزم، تفضح المنافقين وتعلن البراءة من المشركين. وقد أجمع الصحابة على هذا الأمر حين جمعوا المصحف، فبقيت على حالها لتذكر المسلمين دائمًا أن القرآن تنزيل حكيم، وأن لكل آية وسورة حكمة في ترتيبها وصياغتها.
