ما هي آخر غزوة غزاها الرسول
لقد قام الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – بالعديد من الغزوات خلال حياته، وذلك لأجل تحقيق العديد من الأهداف، مثل الدّفاع عن شوكة المسلمين ضدّ كل من حاول التّصدي للإسلام في بداية نشأته، وتعتبر غزوة تبوك هي آخر غزوة قام بها الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – في حياته، وسنورد ذكرها في هذا المقال بشيء من التّفصيل.
غزوة تبوك
تعدّ غزوة تبوك هي آخر غزوة غزاها النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – بنفسه، وقد كانت وقت رجوعه من العمرة بعد حصار الطائف، وذلك في آخر شهر ذي القعدة، عام ثمانية للهجرة، فأقام في المدينة شهر ذي الحجّة، والمحرّم، وصفرا، وجمادى الآخرة، فلمّا كان شهر رجب من عام تسعة للهجرة، أذن الرّسول – صلّى الله عليه وسلّم – للمسلمين بغزو الرّوم.
وكان عام تسعةٍ للهجرة عام قحط، وجدب، وحرّ شديد، حيث طاب حينها أوّل الثّمر، وقد كان النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – في كلّ غزوة لا يُفصح عن اتجاه الجيش، إلا في غزوة تبوك فإنّه قد تكلم في أمرها كلاماً تفصيليّاً، وبيّن اتجاه مسير الجيش، وذلك لصعوبة الأحوال فيها، وبُعد الشقّة، والقوة الشديدة لعدوّهم الشّرس.
إقرأ أيضا:غزوة حنين وحصار الطائفوكان الجدّ بن قيس أخا بني سلمة قد استأذن رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – في التّأخر عن الجيش، وقد قال للنبي صلّى الله عليه وسلّم:” قد علمت الأنصار أنّي إذا رأيت النّساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكن أعينك بمالي “، فأذن له النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – ثمّ أعرض عنه، وقد نزلت فيه الآية من قوله تعالى:” ومِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا “، التوبة/49. (1)
سبب الغزوة
وأمّا سبب هذه الغزوة كما قال ابن سعد في طبقاته:” أنّه بلغ رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – أنّ الرّوم قد جمعت جموعاً كثيرةً بالشّام، وأنّ هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلب معهم لخماً، وجذاماً، وعاملةً، وغسّاناً، وغيرهم من متنصّرة العرب، وقدّموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – النّاس إلى الخروج، وأعلمهم بالمكان الذي يقصده؛ ليتأهّبوا له “. (2)
بعد أن استقرّ الوضع الداخليّ في مكّة، توجّهت أنظار النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – إلى الخارج، وذلك لإكمال مهمّة الدّعوة والبلاغ، وخاصّةً أنّ الأنباء كانت قد وصلت إليه أنّ الرّوم قد بدأوا بحشد قوّاتهم لغزوِ المسلمين، فرغب النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – في أن يبادرهم بالخروج إليهم، وذلك في غزوة ذكرها التّاريخ باسم ” غزوة تبوك “. (3)
إقرأ أيضا:لماذا سميت غزوة ذات الرقاعسبب التسمية
سميت غزوة تبوك بهذا الاسم بسبب عين تبوك، والتي مرّ المسلمون بها خلال طريقهم إلى ملاقاة الرّوم، وقد سمّيت هذه الغزوة أيضاً بغزوة العسرة، وذلك لأنّه قد اجتمع فيها مظاهر كثيرة من العسرة والشّد، حيث كان الجوّ شديد الحرارة، وشحّ الماء مع المسلمين، وكان المكان الذي يقصدونه بعيداً، وفوق هذا كان المسلمون في حالة شديدة من ضيق الحال والفقر، وقد ذُكر ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى:” لَّقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ “، التوبة/117. (3)
أحداث الغزوة
ولّى النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – على المدينة محمّد بن مسلمة، واستخلف على أهله – صلّى الله عليه وسلّم – علياً بن أبي طالب، وكان عدد المسلمين الذين اجتمعوا ثلاثون ألفاً، وقد تخلف الكثير من المنافقين، ومنهم عبد الله بن أبي، وقالوا:” كيف يغزو محمّد بني الأصفر مع جهد الحال، والحرّ، والبلد الشطون البعيد “.
وقد جاء الكثير من المنافقين ليستأذنوا رسول الله – صلّى الله عليه وسلّم – في البقاء، فأذن لهم صلّى الله عليه وسلّم، وقد استأذنه أيضاً الضّعفاء فأذن لهم، وكذلك أذن للمقلّين، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى عاتبه على ذلك، بقوله تعالى:” عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ “، التوبة/43، ثمّ قال سبحانه وتعالى في حقّهم:” إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ “، التوبة/45، ثمّ دحض الله عزّ وجلّ أعذارهم الواهية، وفضح كذبهم ونفاقهم، وذلك في قوله تعالى:” وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ “، التوبة/46.
إقرأ أيضا:ما هي غزوات الرسولثمّ سار النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – ومن معه من المسلمين، وكان هناك نفر من المسلمين ممّن تأخروا عن النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – ولكنّ الله عزّ وجلّ لم يقبل أعذارهم، ودفع حجّتهم، لأنّهم كانوا يعتذرون بأمر باطل.
ولمّا عطش النّاس وفاض بهم الحال، دعا النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – لهم بالرّي، فأمطرت السّماء ورووا جميعاً، وقد ذُكر في هذه الغزوة أنّ النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – قد رأى أبا ذر الغفاري يتبع أثر الجيش، ويقتصّه، وهو يريد أن يلحق به، فقال صلّى الله عليه وسلّم:” يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده “.
وقد قام النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – بمصالحة يحنة بن رؤبة صاحب أيلة على الجزية، وقام بإرسال خالد بن الوليد إلى أكيدر بن عبد الملك الكندي – صاحب دومة – والذي اقتنصه وأرسله إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فعفا عنه النّبي صلّى الله عليه وسلّم، وردّه، وصالحه على الجزية.
وقد جلس النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – في تبوك عشرين ليلةً، ولم يجاوز ذلك، ثمّ انصرف قافلاً إلى المدينة، وفي عودته – صلّى الله عليه وسلّم – أمر أن يهدم مسجد الضّرار، ثمّ أمر مالك بن الدّخشم أخا بني سالم، ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان بأن يهدموا المسجد ويحرقوه، فدخل مالك بن الدّخشم منزله فأخرج منه شعلة نار، ثمّ أحرقا المسجد وهدماه، وكانت عودة النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – من هذه الغزوة في شهر رمضان من العام التاسع للهجرة.
