مقدمة: الاستواء في القرآن وموقف السلف
صفة الاستواء من الصفات الخبرية التي وردت في القرآن الكريم، كقوله تعالى: “الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى” (طه: 5). هذه الصفة أثارت مناقشات بين المتكلمين في علم الكلام، لكن السلف الصالح (الصحابة، التابعون، ومن تبعهم) اتخذوا موقفًا واضحًا تمثل في قولهم: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”. في هذا المقال، نستعرض معنى هذا القول، وموقف السلف من صفة الاستواء، والحكمة الإلهية وراء هذا المنهج.
معنى قول السلف: “الاستواء معلوم”
قول السلف: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة”، يُلخص منهجهم في التعامل مع الصفات الخبرية. يمكن تفصيل هذا القول كالتالي:
-
الاستواء معلوم: المقصود أن معنى الاستواء في اللغة العربية واضح، وهو العلو والاستقرار بما يليق بجلال الله. السلف يثبتون الاستواء كصفة لله كما وردت في القرآن دون تحريف أو تأويل.
-
الكيف مجهول: السلف يؤكدون أن كيفية الاستواء (أي طريقته أو ماهيته) مجهولة للبشر، لأن الله تعالى لا يُشبه المخلوقات. يقول تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ” (الشورى: 11).
-
الإيمان به واجب: يجب الإيمان بصفة الاستواء كما وردت في النصوص، دون تشبيه أو تعطيل.
إقرأ أيضا:صفة العزة -
السؤال عنه بدعة: الخوض في كيفية الاستواء أو محاولة تصوره أمر مبتدع، لأنه يتجاوز حدود العقل البشري وما ورد في النصوص.
أصل القول
هذا القول منسوب إلى أئمة السلف مثل الإمام مالك بن أنس، الذي سُئل عن الاستواء فقال: “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة” (رواه البيهقي). هذا المنهج يعكس التزامهم بالنصوص مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.
موقف السلف من صفة الاستواء
السلف الصالح، مثل الصحابة والتابعين، كانوا يتعاملون مع الصفات الخبرية (مثل الاستواء، اليد، الوجه) بمنهج التفويض والإثبات:
-
إثبات الصفة: يؤمنون بالاستواء كما ورد في القرآن، دون تحريف أو تأويل يغير المعنى اللغوي.
-
تفويض الكيفية: يفوضون كيفية الاستواء إلى الله، لأن العقل البشري لا يستطيع إدراكها.
-
تنزيه الله: يرفضون التشبيه (شبه الله بالمخلوقات) والتعطيل (نفي الصفات).
مثال: عند قوله تعالى: “ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ” (الأعراف: 54)، يقول السلف إن الله استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله، دون أن يكون كاستواء المخلوقات على الأشياء.
الفرق بين السلف وبين المتكلمين
اختلف المتكلمون من الأشاعرة والمعتزلة عن السلف في التعامل مع صفة الاستواء:
إقرأ أيضا:عقيدة الشيخ عثمان بن فودي-
الأشاعرة: يميلون إلى تأويل الاستواء بمعنى العلو أو السيطرة، لتجنب التشبيه. على سبيل المثال، يفسرون “استوى” بمعنى “استولى” أو “سيطر”.
-
المعتزلة: يؤولون الاستواء تأويلًا واسعًا، معتبرين أنه يعني السيطرة أو القهر، وينفون أي صفة قد تقود إلى التشبيه.
-
السلف: يثبتون الاستواء كما ورد دون تأويل، مع التأكيد على تنزيه الله. يرون أن التأويل قد يؤدي إلى تعطيل الصفات.
الحكمة في منهج السلف
منهج السلف في قولهم “الاستواء معلوم” يحمل حكمًا إلهية:
-
الالتزام بالنصوص: الحفاظ على القرآن والسنة كما أُنزلا دون تحريف.
-
تنزيه الله: رفض التشبيه مع إثبات الصفات بما يليق بجلال الله.
-
تجنب البدع: منع الخوض في كيفيات لم يرد فيها نص، مما يحفظ العقيدة من الزيغ.
-
تعزيز الإيمان: الإيمان بصفات الله كما وردت يقوي التوكل واليقين.
التأمل القرآني في صفة الاستواء
القرآن يدعو إلى التفكر في صفات الله كآيات تدل على عظمته. يقول تعالى: “وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ” (الذاريات: 21). صفة الاستواء تدعو إلى:
إقرأ أيضا:صفة الملك-
إدراك علو الله: الاستواء يؤكد علو الله على خلقه، مما يعزز الإيمان بجلاله.
-
الخشوع لله: التفكر في صفات الله يزيد من الخشوع والتقرب إليه.
-
الشكر على النعم: الحمد لله على نعمة القرآن الذي يوضح صفاته بما يناسب عقول البشر.
كيف نستفيد من منهج السلف في الاستواء؟
-
الالتزام بالنصوص: قراءة القرآن والأحاديث بإيمان دون تحريف أو تأويل يغير المعنى.
-
تنزيه الله: الإيمان بصفات الله مع رفض التشبيه أو التعطيل.
-
تجنب الجدال: عدم الخوض في كيفيات الصفات التي لم يرد فيها نص.
-
تعليم العقيدة: نشر منهج السلف لتعزيز الفهم الصحيح لصفات الله.
الخاتمة: الاستواء معلوم والكيف مجهول
قول السلف “الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة” يعكس منهجًا متوازنًا في التعامل مع صفات الله. هذا المنهج يحفظ النصوص القرآنية، ينزه الله عن مشابهة المخلوقات، ويحث على الإيمان والتسليم. فلنجعل من فهمنا لصفة الاستواء وسيلة لتعزيز إيماننا، ولنشكر الله على نعمة كلامه المحفوظ. “فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ” (الرحمن: 13).
