هل اتفق النصارى على عدم تحريف كتابهم
المقدمة
الكتاب المقدس، المعروف لدى النصارى باسم “الكتاب المقدس” (Bible)، يُعتبر النص المقدس الأساسي في المسيحية، ويتكون من قسمين رئيسيين: العهد القديم (الذي يشترك فيه مع اليهودية) والعهد الجديد (الذي يركز على حياة يسوع المسيح ورسائله). يحتوي العهد القديم على 39 كتاباً في النسخة البروتستانتية، أو أكثر في النسخ الكاثوليكية والأرثوذكسية، بينما يضم العهد الجديد 27 كتاباً متفقاً عليها عالمياً. مسألة تحريف الكتاب المقدس أو سلامته النصية هي قضية تاريخية ولاهوتية معقدة، تثير نقاشات داخلية بين الطوائف المسيحية وخارجية مع أتباع الأديان الأخرى. في هذا المقال، سنستعرض آراء الطوائف النصرانية الرئيسية حول سلامة الكتاب المقدس، مع التركيز على الاتفاقات والاختلافات، مستندين إلى الوثائق التاريخية، المجامع الكنسية، والدراسات النقدية الحديثة، لنصل إلى تقييم موضوعي لمدى الإجماع على عدم التحريف.
السياق التاريخي لتكوين الكتاب المقدس
تشكيل العهد القديم والجديد
بدأ تدوين العهد القديم في فترات مبكرة، حيث يعود أقدم أجزائه إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد تقريباً، مثل أسفار موسى الخمسة. تم جمع الكتب تدريجياً، واعتمدت اليهودية على النسخة العبرانية (الماسورية) بحلول القرن الأول الميلادي. أما العهد الجديد، فقد كُتب بين عامي 50 و100 ميلادياً، بدءاً من رسائل بولس الرسول، ثم الأناجيل الأربعة (متى، مرقس، لوقا، يوحنا). لم يكن هناك كتاب موحد في البداية؛ بل كانت النصوص تُنقل يدوياً عبر المخطوطات.
إقرأ أيضا:الضلالات الشركية عند نبي القاديانيّةشهدت القرون الأولى نقاشات حول “الكانون” (القائمة الرسمية للكتب المقدسة). في مجمع هيبو عام 393م ومجمع قرطاج عام 397م، حددت الكنيسة الكاثوليكية الكانون، بما في ذلك الكتب الأبوكريفا (مثل طوبيا ويهوديت) في العهد القديم. البروتستانت، خلال الإصلاح في القرن السادس عشر، رفضوا هذه الكتب، معتبرينها غير ملهمة، واعتمدوا الكانون العبراني فقط. الأرثوذكس الشرقيون يضيفون كتباً إضافية قليلة. هذا الاختلاف في الكانون يُعتبر من أبرز النقاط التي تثير تساؤلات حول الإجماع على “الكتاب” نفسه.
عملية النسخ والحفظ
نُسخت المخطوطات يدوياً لقرون، مما أدى إلى أخطاء نسخية (variants). يوجد اليوم أكثر من 5,800 مخطوطة يونانية للعهد الجديد، أقدمها قطعة من إنجيل يوحنا تعود إلى عام 125م (پاپيروس 52). العهد القديم محفوظ في مخطوطات البحر الميت (اكتُشفت 1947م)، التي تُظهر توافقاً عالياً مع النسخ الماسورية (حوالي 95% توافق). ومع ذلك، توجد اختلافات طفيفة في الترجمات، مثل السبعينية (الترجمة اليونانية للعهد القديم، القرن الثالث قبل الميلاد)، التي استخدمها يسوع والرسل، لكنها تحتوي على إضافات.
آراء الطوائف النصرانية حول سلامة الكتاب المقدس
الكنيسة الكاثوليكية
تؤكد الكنيسة الكاثوليكية في مجمع ترنت (1545-1563م) أن الكتاب المقدس “ملهم إلهياً” وخالٍ من الخطأ في المسائل الإيمانية والأخلاقية (inerrancy in faith and morals). يُعترف بأن النصوص الأصلية (autographs) مفقودة، لكن النسخ الموجودة موثوقة بفضل “التقليد الكنسي” والحفظ الإلهي. البابا بيوس الثاني عشر في encyclical Divino Afflante Spiritu (1943م) شجع على النقد النصي، مع الحفاظ على الإيمان بسلامة الرسالة الأساسية. لا يُعتبر وجود variants تحريفاً متعمداً، بل أخطاء بشرية غير مؤثرة على العقيدة.
إقرأ أيضا:الإله عند النصارى واحد أم ثلاثة ( 2)الكنائس البروتستانتية
في الإصلاح، أكد مارتن لوثر وجون كالفن على “sola scriptura” (الكتاب وحده)، معتبرين الكتاب ملهماً كاملاً وخالياً من الخطأ (verbal plenary inspiration). الإنجيليون المحافظون، مثل جمعية الإنجيل الأمريكية، يدافعون عن “inerrancy” الكاملة، حتى في التفاصيل التاريخية والعلمية، مستندين إلى 2 تيموثاوس 3:16 (“كل الكتاب موحى به من الله”). ومع ذلك، البروتستانت الليبراليون (مثل في مدرسة النقد العالي) يقبلون اختلافات نصية وتطوراً تاريخياً، دون اعتبار ذلك تحريفاً يبطل الرسالة.
الكنائس الأرثوذكسية
ترى الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية الكتاب جزءاً من التقليد المقدس، مع الاعتماد على السبعينية. في مجمع القدس عام 1672م، أُكدت سلامة النصوص، لكن مع التركيز على التفسير الكنسي. يُعترف بأخطاء نسخية، لكنها لا تُغير الجوهر، مستندين إلى الحفظ الإلهي عبر الكنيسة.
الدراسات النقدية الحديثة داخل المسيحية
النقد النصي (textual criticism)، الذي طوره علماء مثل بروس ميتزجر وكورت ألاند، يُصنف الاختلافات إلى طفيفة (إملائية، 99%) وجوهرية (قليلة، مثل إضافة نهاية إنجيل مرقس 16:9-20 في بعض المخطوطات). يتفق معظم العلماء المسيحيين على أن 99.5% من النص موثوق، ولا توجد تغييرات تؤثر على العقائد الأساسية مثل الثالوث أو القيامة.
الاختلافات والنقاط المثيرة للجدل
رغم الإجماع العام على سلامة الرسالة، هناك خلافات:
- الكانون: الكاثوليك والأرثوذكس يشملون الأبوكريفا، بينما يرفضها البروتستانت، مما يُرى من البعض كـ”تحريف” بالإضافة أو الحذف.
- الترجمات: ترجمة الملك جيمس (1611م) تحتوي على إضافات من مخطوطات لاحقة، بينما النسخ الحديثة (مثل NIV) تعتمد على مخطوطات أقدم، مما يؤدي إلى حذف آيات مثل 1 يوحنا 5:7 (الثالوث الصريح، المعروف بـ”Comma Johanneum”، المضاف في القرن الرابع).
- التأثيرات الخارجية: بعض النصوص تُظهر تأثيراً هلنستياً أو يهودياً، لكن يُدافع عنها كوحي إلهي.
في استطلاعات مثل تلك من Pew Research (2014م)، يؤمن 88% من الأمريكيين المسيحيين بأن الكتاب “كلمة الله”، لكن 26% فقط يرونه حرفياً خالياً من الأخطاء.
إقرأ أيضا:القاديانية : أفكارها وعقائدهاالخاتمة
لم يتفق النصارى بشكل مطلق على عدم تحريف كتابهم، إذ يوجد إجماع عام بين الطوائف الرئيسية (الكاثوليكية، البروتستانتية، الأرثوذكسية) على سلامة الرسالة الأساسية والحفظ الإلهي، مع الاعتراف بأخطاء نسخية طفيفة لا تؤثر على العقيدة. ومع ذلك، الاختلافات في الكانون، الترجمات، والتفسيرات تُظهر عدم إجماع كامل، خاصة بين المحافظين والليبراليين. الدراسات النقدية تؤكد موثوقية عالية للنصوص الموجودة مقارنة بغيرها من الكتب القديمة، لكن المسألة تبقى لاهوتية في جوهرها. لفهم أعمق، يُنصح بمراجعة النقد النصي أو الوثائق الكنسية الرسمية، مع الحفاظ على الاحترام للتنوع العقائدي.
