تُعد عبارة “يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا” التي قالها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، من أعظم القواعد التي قام عليها الدين الإسلامي، وهي تمثل دستورًا شاملاً في التعامل مع النصوص الشرعية، وفي الدعوة، وفي التعامل اليومي بين الناس. هذه الكلمات القليلة هي في حقيقتها منهج متكامل، يهدف إلى تحقيق جوهر الدين: الرحمة والسماحة.
أولاً: التيسير في الأحكام الشرعية (جلب المصالح ودرء المفاسد)
إن الأصل الذي بُنيت عليه الشريعة هو رفع الحرج ودرء المشقة. لم يأتِ الإسلام ليعقّد حياة الناس أو ليجعل العبادة عسراً لا يُطاق، بل جاء ليُسهّلها.
التيسير الفقهي يظهر في صور عديدة:
- الرخص الشرعية: مثل رخصة القصر والجمع في السفر، وإباحة التيمم عند فقدان الماء أو المرض، وجواز الفطر للمريض والمسافر في رمضان. كل هذه الرخص دليل على أن المشقة تجلب التيسير، وأن الله لا يريد بنا إلا اليسر.
- سعة المذاهب: اختلاف الفقهاء في بعض المسائل الفقهية هو في حد ذاته رحمة وتيسير للأمة. فالمسلم يستطيع الأخذ بالرأي الذي فيه سعة له متى كان معتبراً، دون الخروج عن إطار الدليل الشرعي.
إن مهمة العلماء والمفتين هي استنباط الأحكام التي تحقق مقاصد الشريعة، التي أهمها التيسير على المكلفين وفتح أبواب الخير أمامهم.
إقرأ أيضا:وإنك لعلى خلق عظيم
ثانياً: التبشير في منهج الدعوة والتربية
الجزء الثاني من الحديث، “وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا”، يضع إطاراً نفسياً وسلوكياً للدعاة والمربين:
- بث الأمل في النفوس: يجب على الداعية أن يبدأ خطابه بذكر رحمة الله الواسعة وعظيم مغفرته. فالبشارة بالجنة والثواب وغفران الذنوب هي الوقود الذي يحرك الإنسان نحو الطاعة.
- تجنب اليأس: التنفير هو ترهيب الناس وتهويل المعاصي لدرجة تجعلهم ييأسون من التوبة أو من رحمة الله. وهذا مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يأمر أصحابه بالرفق والتبشير.
- العلاج بالرفق: عندما يرى الداعية خطأً، عليه أن يتعامل معه باللين والموعظة الحسنة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي الذي بال في المسجد؛ حيث أمر بصب الماء على المكان وعلّم الرجل برفق، بدلاً من تعنيفه.
ثالثاً: قاعدة في التعامل الإنساني
يتجاوز هذا المبدأ حدود الفقه والدعوة ليصبح قاعدة في التعامل الاجتماعي والتربوي:
- في البيت والأسرة: يجب على الأب والأم أن يسّروا على الأبناء، وألا يعسروا عليهم في الواجبات والطلبات، حتى لا يكره الأبناء الطاعة أو يهابون الدين.
- في العمل والمعاملات: التيسير في التعاملات، والمسامحة في البيع والشراء، وإمهال المعسر، كلها تدخل في إطار التيسير الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم.
إقرأ أيضا:تفاؤل الرسول صلى الله عليه وسلم
خاتمة
إن التيسير ليس معناه التهاون أو التضييع لأوامر الله، بل هو فهم حكيم للمرونة التي يتمتع بها هذا الدين العظيم. فمن يسر على الناس يسر الله عليه، ومن عاملهم بالبشر والرفق كان أبعد الناس عن تنفيرهم من طريق الحق. إنه منهج الرحمة الذي أراده الله لخاتم رسالاته.
