عصمة الأنبياء بين الحقيقة والافتراء: شبهات وردود مفصلة
تُعدّ عقيدة عصمة الأنبياء والرسل من أهم أركان العقيدة الإسلامية، فبدونها تفقد الرسالة مصداقيتها ويختلّ أساس التشريع. العصمة تعني حفظ الله للأنبياء من الوقوع في الكبائر والذنوب، ومن الخطأ في تبليغ رسالة الله.
تثار حول هذه العصمة شبهات متنوعة، تنطلق غالباً من خلط بين العصمة في التبليغ والاجتهاد البشري، أو تفسير خاطئ لبعض الآيات القرآنية التي تصف أفعال الأنبياء بـ “الزلل” أو “الذنب”.
أولاً: مفهوم العصمة وأنواعها
العصمة ليست تعطيلاً للطبيعة البشرية للأنبياء، بل هي حفظ إلهي في مجالات محددة:
| نوع العصمة | الوصف والتعريف | الحكم الشرعي |
| 1. العصمة في التبليغ | الحفظ من الزيادة أو النقصان أو الخطأ أو الكتمان في نقل كلام الله (الوحي والرسالة). | واجبة ومُطلقة بالإجماع. لا يجوز أن يخطئ النبي في هذا المجال. |
| 2. العصمة من الذنوب | الحفظ من الوقوع في الكبائر قَطعاً (قبل النبوة وبعدها). | واجبة بالإجماع. |
| 3. العصمة من الزلل (الصغائر) | الحفظ من الوقوع في الصغائر عمداً. أما سهواً أو نسياناً، فيجوز وقوعها، لكن الله لا يُقرهم عليها بل يُنبّههم فوراً. | غير واجبة بالإطلاق، لكنها محفوظة بالرد الإلهي السريع. |
| 4. العصمة في الاجتهاد | الحفظ من الوقوع في خطأ الاجتهاد البشري في الأمور الدنيوية، أو بعض الأحكام قبل نزول الوحي. | غير واجبة، ويجوز أن يجتهد النبي فيخطئ، لكن الله يُصحح خطأه فوراً بالوحي. |
إقرأ أيضا:إبطال شبهات الخوارج في التكفير
ثانياً: شبهات حول عصمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم والرد عليها
تتركز الشبهات حول الآيات التي توجّه خطاباً للنبي ظاهره العتاب أو المساءلة:
الشبهة الأولى: آيات العتاب واللوم (كسورة عبس)
يستدل البعض بالآيات التي وجه فيها الله العتاب للنبي صلى الله عليه وسلم، مثل موقفه من الأعمى عبد الله بن أم مكتوم:
(سورة عبس: 1-2)، على أن النبي يخطئ في تبليغه.
- الرد (الزلل الإنساني لا يقدح في العصمة):
- ليس خطأ في التبليغ: هذا التصرف لم يكن خطأ في الوحي أو الرسالة، بل كان زللاً إنسانياً في ترتيب الأولويات بين الداعين. النبي كان مشغولاً بدعوة سادة قريش طمعاً في إسلامهم، ظناً منه أن إسلامهم أهم.
- التصحيح السريع دليل العصمة: عتاب الله له بهذه السرعة الشديدة، وإنزال سورة كاملة، هو في حقيقته تثبيت للعصمة؛ لأنه أثبت أن النبي لو أخطأ في أدنى تصرف بشري، فإن الله لا يُقرّه عليه، بل يُصححه بالوحي فوراً، ليكون التشريع كاملاً للمؤمنين (الاهتمام بالضعفاء أولى).
إقرأ أيضا:شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة
الشبهة الثانية: طلب الاستغفار وغفران الذنب
يُستشكل على العصمة وجود آيات تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، مثل قوله تعالى:
(سورة محمد: 19).
- الرد (تواضع وشكر):
- الاستغفار عبادة: استغفار الأنبياء والصالحين لا يعني بالضرورة وقوعهم في الكبائر المخرجة من الملة، بل هو عبادة وطاعة يتقربون بها إلى الله، وشكر على النعمة.
- استغفار من الزلل: إذا كان هناك ذنب مقصود، فهو من الزلة أو الصغيرة التي لا تقدح في مقام النبوة والرسالة.
- استغفار من التقصير: قد يكون الاستغفار من تقصيره في القيام بواجب العبادة على أكمل وجه يليق بمقام الربوبية (أي استغفار من ترك الأولى).
ثالثاً: شبهات حول عصمة الأنبياء السابقين والرد عليها
تُثار شبهات حول عصمة الأنبياء السابقين، كقصص آدم ونوح ويونس عليهم السلام:
الشبهة الثالثة: خطيئة آدم عليه السلام
يُشار إلى قوله تعالى في شأن آدم:
إقرأ أيضا:الرد على من أنكر البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل(سورة طه: 121)، للقول بعدم عصمتهم من الذنوب.
- الرد (ذنوب قبل النبوة وليست كبائر):
- ذنب قبل النبوة والتكليف الشرعي: هذا الذنب وقع من آدم في الجنة، قبل أن يُهبط إلى الأرض ويبدأ تكليفه بتبليغ الرسالة (في مفهومنا). والأصح أنه وقع منه خطأ تأويل وليس ذنباً عن استخفاف.
- التوبة الفورية: الذنب لم يُقر عليه، بل تلاه توبة فورية وقبول من الله:
$$\text{فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِ}$$
(سورة البقرة: 37). توبة الأنبياء دليل على حفظ الله لهم من الإصرار.
- المخالفة كانت نهياً إرشادياً: مخالفة آدم كانت بترك الأفضل والأولى (وليس ترك واجب أو ارتكاب محرم يقدح في الدين).
الشبهة الرابعة: قصة يونس عليه السلام (الظن والاجتهاد)
يُستدل بقوله تعالى عن يونس:
(سورة الأنبياء: 87).
- الرد (الاجتهاد الذي لم يصب):
- الظن هنا بمعنى الاجتهاد: كلمة “ظن” هنا ليست بمعنى الشك في قدرة الله، بل بمعنى الاجتهاد الذي لم يُصِب الصواب في مغادرة قومه قبل أن يأذن الله له بذلك.
- الخطأ كان في ترك الأولى: خطأ يونس كان في الاستعجال وترك الأولى والأكمل للصبر، وليس في أمر شرعي أو كفر أو كبيرة. وهذا يدخل في زلل الاجتهاد البشري.
رابعاً: الدوافع الكامنة وراء شبهات العصمة
غالباً ما تكون دوافع إثارة هذه الشبهات:
- المنهج المادي: عدم فهم الفرق بين الخالق والمخلوق، ومحاولة إخضاع العصمة لمعايير البشر العاديين.
- المنهج الفلسفي: محاولة مساواة النبوة بـ “العبقرية البشرية”، ونفي تدخل الحفظ الإلهي.
- التشويش على الرسالة: محاولة إثبات أن الأنبياء قد يخطئون في التبليغ لفتح باب الطعن في مصادر التشريع الإسلامي.
خلاصة القول:
عصمة الأنبياء هي حماية إلهية ضرورية للوحي، وهي ضمان لصدق الرسالة وكمال التشريع. الأنبياء معصومون من الكبائر والخطأ في التبليغ مطلقاً، وما يصدر عنهم من “زلل” أو “عتاب” هو إما من باب الاجتهاد البشري المصحَّح بالوحي، أو من باب ترك الأولى الذي هو في حقهم ذنب، ليرتفعوا لمقام الكمال المطلق الذي أراده الله لرسله.
