شبهات حول العقيده

الرد على من أنكر البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل

سأقوم بإعداد مقال شامل ومفصّل للرد على من ينكرون وجود البشارات بنبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم في كتب أهل الكتاب (التوراة والإنجيل)، بالاعتماد على النصوص القرآنية، والنصوص التاريخية، وتحليل مقارن لبعض الشواهد الكتابية.


 

الرد على من أنكر البشارة بنبي الإسلام في التوراة والإنجيل: شواهد قطعية وإقرار تاريخي

 

تُعد البشارات بقدوم النبي محمد صلى الله عليه وسلم في كتب اليهود والنصارى (التوراة والإنجيل) دليلاً قوياً على نبوته، وهي أساس لمحاججة أهل الكتاب في القرآن الكريم. وعندما ينكر البعض وجود هذه البشارات، فإنهم يتجاهلون حقائق ثابتة تاريخياً ونصوصاً قرآنية تؤكد ذلك، بالإضافة إلى شهادات بعض علماء أهل الكتاب القدامى.

هذا المقال يقدم الرد المنهجي على من أنكر هذه البشارات، بناءً على الأدلة الشرعية والتاريخية.


 

أولاً: الدليل القرآني القطعي على وجود البشارة

 

إن أصدق دليل على وجود البشارة هو إقرار القرآن الكريم بذلك، وهو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل:

 

1. معرفتهم به كمعرفة أبنائهم

 

أكد القرآن أن علماء أهل الكتاب كانوا يعرفون صفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم معرفة تامة، كما يعرفون أبناءهم:

إقرأ أيضا:شبهة من أنكر رؤية الله تعالى يوم القيامة
  • قال تعالى:
    $$\text{ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ}$$

    (سورة البقرة: 146).

    • دلالة الآية: هذه المعرفة اليقينية (كـمعرفة الأبناء) لا يُمكن أن تنشأ إلا من وصف دقيق ومفصل لصفات النبي ورسالته وعلامات ظهوره، وهي الصفات التي سُطرت في كتبهم.

 

2. البشارة بالنبي الأمي المكتوبة عندهم

 

أثبت القرآن أن صفات النبي الأمي (أي الذي لم يقرأ أو يكتب) مذكورة ومكتوبة في كتبهم:

  • قال تعالى:
    $$\text{ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ}$$

    (سورة الأعراف: 157).

    • دلالة الآية: هذه الآية تحدٍّ صريح لهم أمام الملأ، ولو لم تكن هذه الصفات موجودة لأمكنهم تكذيب النبي بهذه الدعوى، ولكن سكوتهم أو كتمانهم يؤكد وجودها.

 

3. البشارة باسمه الصريح (أحمد)

 

سجل القرآن الكريم بشارة عيسى عليه السلام بقدوم نبي يأتي من بعده اسمه أحمد (وهو اسم مرادف لمحمد):

  • قال تعالى:
    $$\text{وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُ}$$

    (سورة الصف: 6).


 

إقرأ أيضا:شبهات حول زواج النبي صلى الله عليه وسلم

ثانياً: شواهد من نصوص العهدين القديم والجديد

 

على الرغم من تعرض الكتب المقدسة للتحريف والتبديل (وهو ما يُعرف في العقيدة الإسلامية بالتحريف اللفظي والمعنوي)، فإن هناك نصوصاً لا تزال باقية، يتفق المحققون على انطباقها على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعد إزالة “التفسيرات” المضافة:

 

1. البشارة في التوراة (العهد القديم)

 

  • نبوءة التثنية (النبي من إخوة إسرائيل): في سفر التثنية (الإصحاح 18، الآيات 18-19)، يقول الله لموسى: “أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ”.
    • الانطباق على محمد ﷺ: “إخوة إسرائيل” هم بنو إسماعيل (العرب)، فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم هو الوحيد من نسل إسماعيل الذي أتى بنبوة عالمية بعد موسى. أما عيسى، فهو من بني إسرائيل أنفسهم، وليس من “إخوتهم”.

 

2. البشارة في الإنجيل (العهد الجديد)

 

  • البشارة بالـ “فارقليط” (المعزي/الروح القدس): في إنجيل يوحنا (الإصحاح 14 و 16)، يُبشر عيسى عليه السلام بقدوم شخص بعده يُسمى “باراقليط” (أو المعزي): “وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ”.
    • التفسير الإسلامي: كلمة “باراقليط” (Paracletos) في اليونانية تعني “المُعزي”، لكن بعض العلماء القدامى أشاروا إلى أن اللفظ الأصلي كان “پيريكليتوس” (Periclytos)، والذي يعني “الأكثر حمداً” أو “المحمود”، وهو المعنى الدقيق لاسم “أحمد” أو “محمد”.
    • صفات المنبعث: الصفات المذكورة له في يوحنا تنطبق على النبي محمد: أنه يأتي بعد المسيح، يُعَلّم كل شيء (أي يكمل الشريعة)، وأنه لا يتكلم من نفسه بل بما يوحى إليه، وهو ما يتفق مع:
      $$\text{وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ}$$

      .


 

إقرأ أيضا:إشكال في فهم الغاية من الخلق

ثالثاً: الدليل التاريخي (إقرار الأحبار والرهبان)

 

إن شهادة الأحبار والرهبان الذين أسلموا في صدر الإسلام هي دليل تاريخي على وجود هذه البشارات:

  • إسلام عبد الله بن سلام: كان حبراً عظيماً من أحبار اليهود، وعندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وشهد صدقه، أسلم وقال: “عرفته حين رأيته، كما أعرف ابني”. وهذا إقرار صريح من عالم يهودي بأن الصفات المذكورة في التوراة قد تحققت في محمد صلى الله عليه وسلم.
  • شهادة ورقة بن نوفل: وهو من علماء النصارى في الجاهلية وابن عم السيدة خديجة. عندما نزل الوحي على النبي أول مرة، أكد ورقة للنبي أنه “الناموس” (الرسول) الذي جاء إلى موسى، وذلك بناءً على علمه بما جاء في كتب النصارى من صفات الرسل.
  • معرفة الراهب بحيرا: قصته مع النبي في صغره عندما تعرف على صفاته الجسدية (خاتم النبوة) وعلاماته في الأسفار القديمة، دليل على أن هذه العلامات كانت معروفة ومنتشرة بين علماء الدين.

 

رابعاً: الرد على حجة الكتمان والإنكار

 

إذا كان المنكرون اليوم لا يجدون هذه البشارات صريحة باسم “محمد” أو “أحمد”، فالرد يكون كالآتي:

  1. التحريف والكتمان: القرآن نفسه أشار إلى أن أهل الكتاب قد قاموا بكتمان الحق (كتمان النص الصريح) وتحريفه (تغيير المعنى أو اللفظ)، ولولا هذا التحريف لكانت البشارات ظاهرة للجميع.
    • قال تعالى:
      $$\text{يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ}$$

      (سورة البقرة: 159).

  2. التفسير القسري: محاولة تفسير البشارات المتبقية (مثل نبوءة التثنية أو الباراقليط) على أنها تعود إلى أنبياء آخرين (مثل يشوع أو شخصيات من العهد الجديد) هو تفسير قسري يفتقر إلى الدقة اللغوية والتاريخية، ولا ينطبق مع القرائن السياقية كما ينطبق على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة:

إن إنكار البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة هو إنكار لشهادة القرآن الصريحة، وتجاهل للشواهد التاريخية وإقرارات علماء أهل الكتاب القدامى. الهدف من هذه البشارات لم يكن فقط التنبيه، بل إقامة الحجة على أتباع الديانات السابقة بأن نبوتهم لم تكن نهاية المطاف، بل كانت تمهيداً لبعثة الرسالة الخاتمة.

السابق
إبطال شبهات الخوارج في التكفير
التالي
هل يمكن أن يفتن النبي عن الوحي ؟