الجدل حول من الذي بنى المسجد الأقصى هو جدل تاريخي وديني يعود إلى آلاف السنين، ويتعلق بالتمييز بين المؤسس الأول للموقع ومن قام بالبناء أو التجديد الفعلي للمبنى الحالي.
إليك مقال يشرح هذه الأوجه المختلفة بالتفصيل:
🕌 المسجد الأقصى: تعدد البُناة وعظمة المكان
مقدمة: قدسية الأرض وعراقة البناء
يُعد المسجد الأقصى في القدس الشريف أحد أقدس المواقع في الإسلام، وهو أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وإليه كان إسراء ومعراج النبي محمد ﷺ. والسؤال عن “من الذي بناه؟” يحمل إجابات متعددة تختلف باختلاف المرحلة التاريخية والمقصود من كلمة “بناء”: هل هو وضع الأساس الأول، أم تجديد القواعد، أم التشييد المعماري.
الفصل الأول: المؤسس الأول (البعد النبوي)
تشير النصوص النبوية الشريفة إلى أن المسجد الأقصى هو ثاني مسجد وُضع في الأرض بعد المسجد الحرام، مما يدل على قِدَم تأسيسه:
- ادم عليه السلام أو الملائكة:
- جاء في الحديث الصحيح عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أول؟ قال: “المسجد الحرام“. قلت: ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى“. قلت: كم بينهما؟ قال: “أربعون سنة” (رواه البخاري).
- التفسير: يستحيل أن يكون بين بناء المسجد الحرام (الذي رفع قواعده إبراهيم) والمسجد الأقصى أربعون سنة. لذلك، رأى كثير من العلماء أن المقصود هو وضع قواعد المسجد وأساساته، وأن من بناه أولاً هو آدم عليه السلام، أو الملائكة بأمر من الله، ثم قام الأنبياء من بعده بتجديد هذه القواعد.
- إبراهيم ويعقوب عليهما السلام:
- يرى بعض العلماء أن الذي وضع قواعد المسجد الحرام هو إبراهيم عليه السلام، والذي وضع قواعد المسجد الأقصى بعده بأربعين عاماً هو حفيده يعقوب بن إسحاق عليه السلام. هذا الرأي ينسجم زمنياً مع الفترة الزمنية المذكورة في الحديث.
إقرأ أيضا:بماذا كرم الله الانسان؟
الفصل الثاني: البناة والمجددون عبر التاريخ (المراحل التشييدية)
على مر التاريخ، مر المسجد الأقصى بمراحل بناء وتجديد وتشييد عظيمة، أهمها:
- نبي الله سليمان عليه السلام:
- بعد فترة طويلة من تأسيس القواعد، يُجمع المؤرخون على أن نبي الله سليمان عليه السلام قام بتشييد وبناء المسجد الأقصى وتجديد عمارته على نطاق واسع، وقد ورد ذكر ذلك في بعض الأحاديث النبوية. يُعتبر سليمان هو المجدد الفعلي للبناء بعد عصور طويلة.
- الخلفاء المسلمون:
- العهد الأموي (البناء الأضخم): بعد الفتح الإسلامي للقدس، قام الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بن عبد الملك في نهاية القرن الأول الهجري (القرن السابع الميلادي) ببناء المسجد الأقصى الحالي وقبة الصخرة. هذا البناء هو الذي أعطى المسجد الأقصى (الذي يشمل الحرم القدسي الشريف) شكله المعماري الشهير، وهو ما دفع بعض المؤرخين لنسبة بناء المسجد للخليفة عبد الملك بن مروان، لكن ذلك يقصد به البناء والتشييد المعماري القائم.
- العصور اللاحقة: استمرت التجديدات في العهود العباسية والأيوبية والمملوكية والعثمانية، خصوصاً بعد الزلازل التي ضربت المنطقة.
إقرأ أيضا:ما هو الفرق بين النفس والروح
الفصل الثالث: مغزى تعدد البُناة
إن تعدد من بنى وجدد المسجد الأقصى يحمل دلالات عميقة:
- استمرارية الرسالات: يرمز ذلك إلى أن المسجد الأقصى ليس ملكاً لرسالة واحدة، بل هو مرتبط بجميع الرسالات السماوية التي دعت إلى التوحيد، من آدم مروراً بإبراهيم ويعقوب وسليمان، وصولاً إلى النبي محمد ﷺ.
- قدسية الموقع: الأهمية ليست في اسم الباني بقدر ما هي في قدسية الموقع ذاته الذي اختاره الله ليكون ثاني بيت له في الأرض.
إقرأ أيضا:خصائص الفن الإسلامي
خاتمة: الأقصى ملك للمسلمين
إن المسجد الأقصى هو حرم ومسجد إسلامي يمثل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة المسلمين وتاريخهم. لا يغير البناء ولا التجديد من مكانته كـ “مسجد” خُصص لعبادة الله، وهو ملك للأمة الإسلامية التي تتولى رعايته وعمارته منذ الفتح العمري وإلى يومنا هذا.
هل تود الآن مقالاً عن تاريخ القبة الذهبية (قبة الصخرة) وعلاقتها بالمسجد الأقصى؟
