مقال: أحكام الرضاعة والحضانة في الشريعة الإسلامية.. أسس بناء الأسرة ورعاية النشء
تولي الشريعة الإسلامية عناية فائقة لكل ما يتعلق بالأسرة والطفولة، وتظهر هذه العناية في أحكام دقيقة ومفصلة لـ “الرضاعة” و “الحضانة”، حيث تمثلان مرحلتين حاسمتين في حياة الإنسان، وتترتب عليهما آثار شرعية عظيمة.
أولاً: أحكام الرضاعة الشرعية
الرضاعة في الإسلام ليست مجرد تغذية، بل هي رابطة شرعية تنشئ محرمية مؤبدة بين الطفل و”أهل اللبن”، ولذلك تُسمى بـ “الرضاعة المحرّمة”.
1. قاعدة التحريم بالرضاعة:
تنص القاعدة الشرعية الكبرى في هذا الباب على أن: “يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ” (متفق عليه). وهذا يعني أن الطفل الرضيع يصبح ابناً للمرأة المُرضِعة، وابناً لزوجها صاحب اللبن (الذي كان سبباً في درّ اللبن)، وأخاً لأولادهما جميعاً، وتترتب على هذه العلاقة جميع أحكام المحرمية في الزواج والنظر والخلوة.
2. شروط الرضاعة المحرّمة:
اختلف الفقهاء في تفاصيل شروط الرضاعة التي يثبت بها التحريم، وأهمها:
- وقت الرضاعة (السن):
- الجمهور (المالكية والشافعية والحنابلة): يرون أن الرضاعة لا تُحَرّم إلا إذا وقعت في الحولين (سنتين كاملتين) من عمر الطفل، استناداً لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: 233].
- الحنفية: يرون أن مدة الرضاع المحرّمة تمتد إلى سنتين ونصف (30 شهراً) أو ثلاثين شهراً.
- مقدار الرضاعة (العدد):
- أبو حنيفة ومالك: يرون أن قليل الرضاع وكثيره يُحَرّم، ولو كانت مَصَّة واحدة، استناداً لعموم الحديث السابق.
- الشافعية والحنابلة: يرون أن التحريم لا يثبت إلا بخمس رضعات متفرقات فصاعداً، استناداً لحديث عائشة رضي الله عنها: “كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نُسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك” (رواه مسلم).
إقرأ أيضا:فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف
ثانياً: أحكام الحضانة الشرعية
الحضانة هي حفظ من لا يستقل بأموره (كالصغير والمجنون) وتربيته بما يصلحه، ووقايته عما يؤذيه. وهي حق خالص للمحضون (الطفل)، مقدم على رغبات الوالدين.
1. الأحق بالحضانة:
اتفق العلماء على أن الأم هي أحق الناس بحضانة الطفل في حال افتراق الأبوين، وذلك لأنها أرفق بالصغير وأقدر على تربيته، ولها غريزة الأمومة التي تفتقر إليها الجهات الأخرى.
ترتيب مستحقي الحضانة بعد الأم: في حال فقدان الأم للشروط أو سقوط حقها (كزواجها من أجنبي عن الطفل)، تنتقل الحضانة إلى من يليها، ويختلف الفقهاء في هذا الترتيب، ولكن الإجمال يقتضي تقديم:
- الأم (ما لم تتزوج بأجنبي).
- أمهات الأم (الجدات من جهة الأم).
- أمهات الأب (الجدات من جهة الأب).
- الأب (ويقدمه بعض الفقهاء على الجدات من جهة الأب).
- ثم باقي النساء الأقارب (كالأخت، فالخالة، فالعمة)، ثم العصبات من الرجال.
ويُقَدَّم النساء على الرجال غالباً؛ لأنهن أشفق على الأطفال وأعلم بتربيتهم.
2. شروط الحاضن:
يشترط في الحاضن (رجلاً كان أو امرأة) جملة من الشروط لضمان مصلحة الطفل:
إقرأ أيضا:اللغو في اليمين- الإسلام: إذا كان المحضون مسلماً.
- العقل والبلوغ: فلا حضانة لمجنون أو صبي.
- العدالة والأمانة: فلا حضانة لفاسق أو فاجر لا يؤتمن على تربية الطفل.
- القدرة على الحضانة: بأن يكون سليماً من الأمراض المُعدية أو الموانع التي تعيقه عن الرعاية.
3. انتهاء مدة الحضانة:
اختلف الفقهاء في تحديد سن انتهاء الحضانة، وكلهم يهدف إلى تحقيق مصلحة المحضون؛
- بعض الفقهاء: يجعل الحضانة للغلام حتى سن التمييز (سبع سنين)، وتنتقل بعدها إلى الأب، وللجارية حتى البلوغ.
- المالكية: يرون أنها تستمر للذكر والأنثى حتى البلوغ، ثم يُخَيّر المحضون بين أبويه.
- الاتجاه الحديث في القوانين المعاصرة: يميل إلى تمديد مدة حضانة النساء للطفل إلى سن معينة (تختلف حسب البلد)، مع ترك الأمر في النهاية لتقدير القاضي بناءً على ما تقتضيه مصلحة الطفل.
خاتمة: تُظهر أحكام الرضاعة والحضانة في الشريعة الإسلامية مدى دقة النظام الأسري، حيث يتم التأمين على المحارم وتحديد الأنساب عبر الرضاعة، وتأمين الرعاية والتنشئة السليمة للطفل عبر نظام الحضانة، لضمان نشأة جيل سليم في عقله وجسده ودينه.
إقرأ أيضا:ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل