آيات الأحكام

إن الصفا والمروة من شعائر الله

مقال: “إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ”.. السعي بين الجبلين تخليداً للعقيدة والتوكل

تقف شعيرة السعي بين الصفا والمروة كأحد الأركان الأساسية والمظاهر الروحانية العظمى في مناسك الحج والعمرة، وهي عبادة تضرب جذورها في عمق تاريخ النبوة والتوحيد. إنّ الآية الكريمة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158] ليست مجرد إعلان عن حكم شرعي، بل هي تأكيد على قُدسية المكان والعمل، ودعوة لاستلهام المعاني الكامنة خلف هذه الحركة المتكررة.

 

أولاً: الصفا والمروة.. من أعلام الدين

 

بدأ الله تعالى الآية بتأكيد عظيم: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. و”الشعائر” هي الأعلام الظاهرة لدين الله ومواضع عبادته التي جُعلت دلالة على طاعته. هذا الإعلان الإلهي رفع قدر هذين الجبلين الصغيرين، ليصبحا جزءاً لا يتجزأ من هوية المناسك.

لقد جاء هذا النص القرآني ليُصحح فهماً خاطئاً كان قد ترسّخ في نفوس بعض المسلمين. فقبل الإسلام، كان المشركون يسعون بين الجبلين وهناك صنمان (إساف ونائلة) يمسحونهما. فلما جاء الإسلام، تحرّج بعض الصحابة من السعي ظناً منهم أن ذلك قد يكون تشبهاً بفعل الجاهلية. فجاء الخطاب الإلهي واضحاً وحاسماً: إن هذه البقاع قد اختارها الله لتكون معالم للعبادة، والسعي فيها عبادة لله وتوحيد، وليس للأصنام.

إقرأ أيضا:مقال: وحُرِّمَ الربا… حرب على الظلم وبناء للاقتصاد الأخلاقي

 

ثانياً: رمزية السعي.. قصة توكل ونجاة

 

إنّ السر الكامن وراء تحويل المشي بين الصفا والمروة إلى عبادة أبدية هو تخليد قصة عظيمة تجسد أسمى معاني التوكل واليقين بالله: قصة السيدة هاجر، زوجة النبي إبراهيم وأم النبي إسماعيل عليهما السلام.

عندما تركها إبراهيم مع وليدها في وادٍ غير ذي زرع بأمر من الله، نفد منها الماء. انطلقت هاجر تعدو بين الصفا والمروة سبع مرات، ساعية بلهفة ويأس بشريّ، ولكن بقلب موقن بأن الله لن يضيعها. هذا السعي المفعم بالأمل، هو الذي أثمر تفجّر بئر زمزم تحت قدمي الرضيع.

إنّ الساعي اليوم لا يقطع المسافة بجسده فحسب، بل بروحه وعقله، مستحضراً:

  • اليقين المطلق: بأن الله لا يضيع المتوكلين عليه.
  • البذل والعمل: أن التوكل لا يعني القعود، بل يتطلب السعي وبذل الجهد مهما كانت الأسباب الظاهرة معدومة.
  • الفقر إلى الله: أن الساعي يتحرك بضعفه وحاجته، كما تحركت هاجر، طالباً من الله العون والفرج.

 

ثالثاً: دلالة “فَلا جُناحَ عَلَيهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِما”

 

إنّ صيغة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، التي تعني “لا إثم عليه ولا حرج”، قد توهم البعض بأن السعي مجرد نافلة أو أمر اختياري. ولكن تفسير الآية في سياقها الشرعي والتطبيقي يؤكد أنها جاءت لرفع الحرج عن المسلمين المتحرجين من السعي بسبب ما كان يفعله المشركون، وفي الوقت ذاته فهي دليل على وجوبه أو ركنيته.

إقرأ أيضا:وأحل الله البيع

وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فريضة السعي حين قال: “اسعوا، فإن الله قد كتب عليكم السعي”، وطاف بينهما وقال: “خذوا عني مناسككم”. وبذلك صار السعي ركناً لا يتم الحج والعمرة إلا به، تأكيداً لتعظيم هذه الشعيرة.

 

رابعاً: ختم الآية.. شكر على العمل

 

الختام القرآني للآية يمثل قمة التحفيز الروحي: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.

  • ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: تشمل كل زيادة في الطاعة والخشوع والدعاء والذكر أثناء السعي، وكل عمل صالح في الحج والعمرة.
  • ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: هذا الوصف يبعث على الطمأنينة، فالله “شاكر” أي يجزي على القليل بالكثير، ويضاعف الأجر والجزاء، وهو “عليم” لا تخفى عليه نية الساعي، ولا صدق توكله، فيجازي كلاً بما يستحق بفضل منه وكرم.

في النهاية، يبقى السعي بين الصفا والمروة رمزاً خالداً للحركة الإيجابية في الحياة، وثقة لا تتزعزع بمدد الله ورحمته، وهو درس تربوي عميق بأن الوصول إلى نعمة “زمزم” يتطلب جهداً متواصلاً، ويقيناً لا يحده مكان ولا زمان. إنها شعيرة تُحوّل صخور الماضي إلى منارات هداية للمستقبل.

صورة الملف الشخصي
السابق
عدة المتوفى عنها زوجها
التالي
فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف