الإيمان بالله من الأمور الفطرية
الإيمان بالله تعالى هو أساس الدين وأصل كل عقيدة سليمة، وهو من الأمور الفطرية التي جُبل الإنسان عليها منذ خلقه. فطرة الإنسان تدعوه إلى الإقرار بوجود خالق عظيم لهذا الكون، وهذا ما أكدته النصوص الشرعية والعقل السليم. في هذا المقال، سنتناول مفهوم الإيمان الفطري بالله، وأدلته من القرآن والسنة، وكيف يمكن أن تُطمس هذه الفطرة أو تُنقّى.
أولاً: معنى الفطرة
الفطرة هي الصفة التي خلق الله الإنسان عليها، وهي الاستعداد الطبيعي للإيمان بالله وتوحيده. قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الروم: 30). والفطرة هنا تعني الخلقة الأصلية التي تجعل الإنسان يميل إلى الإيمان بالله بشكل طبيعي.
ثانيًا: أدلة فطرية الإيمان بالله
- من القرآن الكريم:
- قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا} (الأعراف: 172). هذه الآية تدل على أن الإيمان بالله موجود في نفس الإنسان منذ الأزل.
- وقال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} (لقمان: 25). هذا دليل على أن الإقرار بوجود الله فطري حتى عند المشركين.
- من السنة النبوية:
- قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ” (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يؤكد أن الإنسان يولد على الفطرة السليمة، ولكن البيئة والمجتمع قد يؤثران عليه.
- من العقل والفطرة:
- عندما ينظر الإنسان إلى الكون من حوله، يرى دلائل واضحة على وجود خالق عظيم. قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران: 190).
- العقل السليم يدرك أن هذا الكون المنظم لا يمكن أن يكون قد وُجد صدفة، بل لابد له من خالق حكيم.
ثالثًا: كيف تُطمس الفطرة؟
مع أن الإيمان بالله فطري، إلا أن هناك عوامل قد تُطمس هذه الفطرة أو تحرفها، منها:
إقرأ أيضا:معرفة الدين الحق- التأثيرات البيئية:
- التربية الخاطئة والبيئة غير السليمة قد تحرف الفطرة. كما في الحديث السابق: “فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ”.
- الشهوات والغرائز:
- اتباع الشهوات دون ضوابط شرعية قد يُعمي القلب عن رؤية الحق. قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (الجاثية: 23).
- التقليد الأعمى:
- تقليد الآباء والأجداد دون تفكير أو تمحيص قد يُبعد الإنسان عن الفطرة السليمة. قال تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} (الزخرف: 23).
- الشبهات والأفكار المنحرفة:
- الأفكار الإلحادية أو الفلسفات المادية قد تشوش على الفطرة وتصرف الإنسان عن الإيمان.
رابعًا: كيف تُنقّى الفطرة؟
- التفكر في خلق الله:
- التأمل في الكون يدعو إلى الإيمان بالله. قال تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} (الذاريات: 20-21).
- قراءة القرآن الكريم:
- القرآن يذكر الإنسان بالفطرة ويدعوه إلى التوحيد. قال تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9).
- الدعاء:
- الدعاء يفتح القلب ويُذكّره بالفطرة. قال تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} (البقرة: 186).
- الابتعاد عن الشهوات والشبهات:
- المحافظة على القلب من الانحرافات يحفظ الفطرة. قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} (الشمس: 7-10).
خامسًا: خاتمة
الإيمان بالله فطرة مركوزة في نفس الإنسان، ولكنها تحتاج إلى تنقية من الشوائب التي قد تُطمسها. بالتفكر في خلق الله، وقراءة القرآن، والدعاء، والابتعاد عن الشهوات والشبهات، يمكن للإنسان أن يعود إلى فطرته السليمة ويستعيد إيمانه بالله تعالى. قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} (البقرة: 152). فليحرص كل إنسان على أن يحافظ على فطرته، وليعلم أن الإيمان بالله هو طريق السعادة في الدنيا والآخرة.
إقرأ أيضا:اين الله في قلوبنا؟ تأملات شرعية في علاقة القلب بالخالق