أسباب النزول

الذين يشترون بعهد الله

 

💸 “الذين يشترون بعهد الله”: تفسير الآية الكريمة وخطورة نقض العهد 🚫

 

الآية الكريمة التي تتناول الذين يشترون بعهد الله هي قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (آل عمران: 77).

هذه الآية تُعد من أشد الآيات وعيدًا وتحذيرًا من خيانة الأمانة ونقض العهود لأجل مطامع دنيوية زائلة.


 

أولاً: تحليل مفردات الآية وجريمة المقايضة

 

الآية تتحدث عن جريمة مزدوجة تنتهك حق الله وحق العباد، وهي مقايضة ثمينة بأبخس الأثمان:

  1. “يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ”: هذا التعبير كناية عن الاستبدال والبيع. المقصود به أنهم يتخلون عن التزامهم بـ عهد الله (وهو ما أوجبه الله عليهم من فرائض وأمانات، أو العهود التي أخذوها على أنفسهم) وعن الأيمان (الحلف بالله كذبًا لتبرير الخيانة). فهم يبيعون هذه الالتزامات ويستبدلونها.
  2. “ثَمَنًا قَلِيلًا”: هو المقابل الذي يحصلون عليه من هذا البيع. ويشمل المكاسب المادية الزائلة، أو المنصب، أو الشهرة، أو أي منفعة دنيوية مهما عظمت. ووصفه بـ “قليلًا” هو تحقير لقيمة الدنيا بأكملها أمام قيمة الإيمان والعهد الإلهي وثواب الآخرة. فكل ما في الدنيا قليل زائل.

 

إقرأ أيضا:قوامون على النساء

ثانياً: شمولية “عهد الله” في التشريع

 

مفهوم “عهد الله” في هذه الآية واسع وشامل، ولا يقتصر على نوع واحد من الالتزامات:

  • العهد مع الله: ويشمل الإيمان به وتوحيده، والالتزام بفرائضه كالصلوات والصيام.
  • عهد أهل الكتاب: وهي النقطة الأساسية في سياق نزول الآية، حيث شملت الذين أخفوا صفات النبي صلى الله عليه وسلم في كتبهم، ونقضوا العهد الذي أخذ عليهم بالإيمان به.
  • العهد مع الناس: ويشمل الأمانات والوعود والعقود والبيعات. ومن أبرز صور نقض هذا العهد هو الحلف الكاذب (اليمين الفاجرة) لاغتصاب مال الغير أو أخذ حق ليس له. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الصنف تحذيراً شديداً: “مَن حَلَفَ علَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بهَا مَالًا وهو فِيهَا فاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وهو عليه غَضْبَانُ”.

 

ثالثاً: العقوبات الأخروية المغلظة (خمسة أنواع من الحرمان)

 

تُحدد الآية عقوبات أخروية مغلظة لمن يرتكب هذه الجريمة، وهي تُعد من أشد أنواع الوعيد في القرآن الكريم:

  1. “لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ”: أي لا نصيب ولا حظ لهم من رحمة الله أو من نعيم الجنة.
  2. “وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ”: كناية عن غضب الله عليهم وإعراضه عنهم. فعدم التكليم هنا هو قطع لكرامة الخطاب في يوم القيامة، وهو دليل على شدة المقت.
  3. “وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”: أي لا ينظر إليهم نظر رحمة ورأفة، بل ينظر إليهم نظر غضب وتوبيخ.
  4. “وَلَا يُزَكِّيهِمْ”: أي لا يُطهرهم من ذنوبهم ولا يثني عليهم ولا يغفر لهم. بل يتركهم على إثمهم.
  5. “وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”: وهو العذاب الجسدي الملموس في نار جهنم، بعد الحرمان من كل أنواع النعيم والكرامة المعنوية.

 

إقرأ أيضا:تفسير قوله تعالى: وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب

💖 الخاتمة: العهد من صميم الإيمان 📜

 

تُرسخ هذه الآية مبدأً عظيماً مفاده أن العهد والأمانة ليسا مجرد التزامات دنيوية، بل هما من صميم الإيمان بالله. إن التفريط فيهما، خاصة عندما يكون الثمن هو متاع الدنيا الزائل، يُعتبر جريمة روحية ثمنها خسارة أبدية لا تُعوَّض. فالإسلام يُعلي من قيمة الوفاء بالوعد والصدق في اليمين، ويجعل من نقضهما سبباً للحرمان من النظر الإلهي في يوم القيامة.

السابق
كيف يهدي الله قوماً
التالي
بحث عن كيفية الوضوء