وصايا النبي صلى الله عليه وسلم حول الغضب من أجمع وأعمق الوصايا، حيث تدلّ على حكمة بالغة في تهذيب النفس وضمان السعادة في الدنيا والآخرة.
1. وصية “لا تغضب” الجامعة
أشهر حديث في هذا الباب هو وصيته الجامعة التي تدور حول السيطرة على الغضب:
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أَنَّ رَجُلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “أَوْصِنِي”، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَاراً، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ». (رواه البخاري)
- شرح الوصية: هذا التكرار يدل على الأهمية القصوى لهذه الوصية. والمعنى الراجح لـ “لا تغضب” هو: لا تنفذ ما يقتضيه الغضب من قول أو فعل تندم عليه. أي: املك نفسك ولا تعمل بموجب غضبك، فإذا غضبت فاجتهد في كبحه وكظمه.
2. القوة الحقيقية في ملك النفس
بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن القوة ليست في القدرة الجسدية على مصارعة الناس، بل في التحكم في المشاعر وقت الثورة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال:
إقرأ أيضا:احاديث عن احداث اخر الزمان“لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ.” (رواه البخاري ومسلم)
- الصرعة: هو الذي يصرع الناس ويغلبهم في المصارعة.
- المعنى: الشجاعة والقوة الحقيقية هي القوة النفسية والقدرة على كظم الغيظ والتحكم في النفس، وهو ما يؤدي إلى السلامة من كثير من الشرور.
3. فضل كظم الغيظ والجزاء عليه
وعد النبي صلى الله عليه وسلم بجزاء عظيم لمن ينجح في كظم غيظه مع قدرته على تنفيذه:
عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“مَنْ كَظَمَ غَيْظاً وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ مَا شَاءَ.” (رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الألباني)
4. الإرشاد النبوي لعلاج الغضب
لم يقتصر الأمر على النهي، بل وجّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطوات عملية لعلاج الغضب:
عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ.” (رواه أبو داود وصححه الألباني)
إقرأ أيضا:حديث وضع اليد على الخد في السنة النبوية
وورد أيضاً الإرشاد بالاستعاذة، لما روي أن رجلين استبا عند النبي صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يحمرّ وجهه وتنتفخ أوداجه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.” (رواه البخاري ومسلم)
هذه الأحاديث تؤكد أن الغضب المذموم هو ما يكون لأمور الدنيا أو يجرّ إلى الإساءة والاعتداء، بينما الغضب المحمود هو ما يكون لله تعالى إذا انتُهكت حُرماته.
