أحكام شرعية

حكم الزواج بنية الطلاق

 

مقال حول: حكم الزواج بنية الطلاق في الشريعة الإسلامية بين الصحة والتحريم

 

يُعد عقد النكاح في الشريعة الإسلامية “ميثاقاً غليظاً” يقوم على نية الديمومة والاستقرار وتكوين الأسرة، تحقيقاً لمقاصد المودة والرحمة. وفي سياق المعاملات الزوجية الحديثة، ظهرت مسألة “الزواج بنية الطلاق”، والتي تعني أن يعقد الرجل زواجاً شرعياً مكتمل الأركان والشروط (إيجاب وقبول، وولي، وشهود، ومهر)، ولكنه يُضمر في نفسه نية الطلاق بعد فترة محددة أو عند قضاء حاجة معينة، دون أن يُصرِّح بهذه النية في العقد أو يُعلم بها الزوجة ووليها.

وقد اختلفت كلمة الفقهاء والمجامع الفقهية حول حكم هذا النوع من الزواج، بين من يرى صحته مع الكراهة، ومن يرى تحريمه وعدم صحته.


 

أولاً: الفرق بين الزواج بنية الطلاق ونكاح المتعة

 

من المهم التفريق بين هذا النوع من الزواج وبين نكاح المتعة المحرم إجماعاً عند أهل السنة:

وجه المقارنة الزواج بنية الطلاق نكاح المتعة (المحرم)
التوقيت في العقد لا يُشترط التوقيت ولا يُذكر في صيغة العقد. يُشترط التوقيت ويُذكر في صيغة العقد بوضوح (لمدة شهر، سنة.. إلخ).
النية نية الإضمار (النية في القلب) للزوج فقط. النية متبادلة ومصرح بها بين الطرفين.
الآثار الشرعية تترتب عليه كافة الآثار (مهر، نفقة، ميراث). لا تترتب عليه آثار النكاح الدائم (لا ميراث، ولا نفقة غالباً).

 

إقرأ أيضا:مراحل تحريم الخمر

ثانياً: الأقوال الفقهية في الحكم

 

تنقسم آراء العلماء إلى رأيين رئيسين:

 

1. القول بالجواز مع الكراهة أو التحذير (قول الجمهور من السلف)

 

ذهب جمهور الفقهاء القدامى (كالأئمة الأربعة في المشهور) إلى أن العقد صحيح شرعاً، ولا تبطله نية الإضمار، وحجتهم في ذلك:

  • النية لا تُغير صيغة العقد: نية الزوج وحدها لا تؤثر في صحة العقد طالما توافرت فيه جميع الأركان والشروط ولم يُشترط التوقيت في اللفظ. فالنية أمر بين العبد وربه.
  • نية الاستدامة ليست شرطاً: ليس شرطاً لصحة النكاح أن ينوي الزوج حبس زوجته طوال العمر، فله حق الطلاق متى شاء إذا لم توفقه الحياة الزوجية.
  • فتوى الشيخ ابن باز: كان يرى أن العقد صحيح، ولكنه نصح بتركه احتياطاً.

 

2. القول بالتحريم أو البطلان (قول المجمع الفقهي وبعض المعاصرين)

 

ذهب عدد من الفقهاء المعاصرين وهيئات الإفتاء (كالمجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي واللجنة الدائمة للإفتاء سابقاً والشيخ ابن عثيمين) إلى تحريم هذا الزواج، ورأى بعضهم أنه باطل أو فاسد، وحجتهم في ذلك:

  • الغش والتدليس: النية المبيتة بالطلاق تُعتبر غشاً وخداعاً للزوجة ووليها، إذ لو علما بنية الزوج ما وافقا على الزواج، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغش.
  • منافاة مقصود الشارع: الزواج بنية الطلاق ينافي المقصد الأسمى للنكاح، وهو الديمومة والاستقرار وتكوين الأسرة، ويجعله شبيهاً بنكاح المتعة في الغاية المؤقتة.
  • التلاعب بأحكام الشريعة: استخدام رخصة الزواج الشرعي للتغطية على نية مؤقتة هو استهانة بعقد النكاح.

 

إقرأ أيضا:حكم تقبيل المصحف

ثالثاً: الترجيح والضابط الشرعي

 

القول الذي يتوافق مع مقاصد الشريعة ويجمع بين الأدلة هو تحريم الزواج بنية الطلاق لما فيه من الغش والتدليس على المرأة ووليها، ومنافاة لمقصد الاستقرار في النكاح.

ومع القول بالتحريم، يبقى السؤال عن صحة العقد:

  • يرى المانعون أن النية هنا تقترن بمانع شرعي (التوقيت والإخفاء)، فيبطل العقد أو يفسد.
  • بينما يرى المجوزون أن العقد صحيح لتوفر أركانه، لكن الزوج آثم لنيته الغش.

الراجح والحكمة:

إقرأ أيضا:حكم كشف الوجه

يجب على المسلم أن يتجنب الزواج بهذه النية، فإن العقد الذي يُبنى على إخفاء حقيقة مصيره عن أحد الأطراف هو عقد يفتقر إلى الميثاق الغليظ الذي أراده الشارع.

الزواج بنية الطلاق، وإن لم يكن نكاح متعة صريحاً في صورته الظاهرة، إلا أنه يشبهه في مقصده وغايته، وهو ما يجعله مكروهاً في أقل الأحوال، ومحرماً عند الأخذ بمقاصد الشريعة في النكاح. ومن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه.

السابق
حكم صبغ الحواجب
التالي
حكم الرموش الصناعية