مقال حول: حكم فوائد البنوك في الشريعة الإسلامية
تُعد مسألة حكم فوائد البنوك من القضايا المالية المعاصرة الأكثر جدلاً وحساسية في الفقه الإسلامي. فمع تطور النظام الاقتصادي العالمي، وقيام المؤسسات المصرفية على مفهوم الفائدة (التي يُطلق عليها أيضاً العائد أو الربح)، أصبح تحديد موقف الشريعة من هذه التعاملات أمراً بالغ الأهمية للمسلم في حياته اليومية.
أولاً: الأصول الشرعية لتحريم الربا
تقوم غالبية الفتاوى الشرعية على مبدأ قاطع في الإسلام وهو تحريم الربا، وهو الزيادة المشروطة مقدماً على أصل الدين (القرض). وقد جاء التحذير من الربا في نصوص قطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومنها:
- الوعيد في القرآن: قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (البقرة: 275). كما جاء التهديد الشديد لآكل الربا وموكله: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (البقرة: 279).
- اللعن في السنة: لعن النبي صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: “هُمْ سَوَاءٌ” (رواه مسلم).
والقاعدة الفقهية التي أجمعت عليها المجامع الفقهية وهيئات العلماء الكبرى هي أنَّ فائدة القرض الثابتة والمحددة مقدماً هي عين الربا المحرم.
إقرأ أيضا:ما كفارة الحلف بالله
ثانياً: الموقف الفقهي من فوائد البنوك التقليدية
أغلبية العلماء والمجامع الفقهية المعاصرة (كالمجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، وهيئات كبار العلماء في العديد من الدول) ترى أن الفائدة التي تمنحها البنوك التقليدية على الودائع أو تفرضها على القروض هي ربا محرم، سواء كانت قليلة أو كثيرة، وسواء كانت في القروض الاستهلاكية أو الاستثمارية.
حجة التحريم: يعتمد هذا القول على أنَّ العلاقة بين المودع والبنك في الودائع الثابتة هي علاقة قرض بفائدة مشروطة ومحددة سلفاً، حيث يضمن البنك رأس المال ويضمن نسبة العائد، وهذا هو ربا الزيادة المحرم؛ لأنه يُعدّ بيعاً للمال بالمال مع الزيادة والتأخير.
ثالثاً: الخلاف في المسألة (أقوال الترخيص)
برزت في العصر الحديث آراء لبعض العلماء والفقهاء ترى أنَّ فوائد البنوك ليست من الربا المحرم شرعاً، أو أنها تدخل في باب الاستثمار المشروع. ومن أبرز حججهم:
- حجة التمويل الحديث: القول بأنَّ طبيعة البنوك المعاصرة تختلف عن الإقراض الفردي التقليدي، وأن ما تأخذه البنوك من فائدة هو عائد مقابل التمويل والمخاطرة، وليس مجرد ربا.
- حجة المصالح المرسلة: بعضهم يرى أن الضرورة الاقتصادية والحاجة العامة في هذا العصر، وعدم وجود البديل المتاح لحفظ الأموال وتنميتها، تبيح التعامل مع البوكن التقليدية بالفائدة، وهذا قول مرجوح عند الجمهور.
- العائد مقابل الاستثمار: هناك من يرى أنَّ الأموال المودعة في شهادات الاستثمار هي في حقيقتها مشاركة في استثمارات البنك، وليس مجرد قرض، وبالتالي يُعد العائد عليها ربحاً. (وهذا يحتاج إلى تفصيل دقيق في العقود للتأكد من خلوها من شرط الربا وضمان رأس المال).
الرد على هذه الأقوال (عند الجمهور): يرد الجمهور بأنَّ مجرد تغيير الاسم من “ربا” إلى “فائدة” أو “عائد” لا يغير من جوهر العقد، فطالما أنَّ الزيادة على رأس المال محددة ومضمونة ومفصولة عن المخاطرة بالربح أو الخسارة، فهي ربا.
إقرأ أيضا:حكم الانتحار
رابعاً: البنوك الإسلامية كبديل شرعي
لمواجهة مشكلة التعاملات الربوية، نشأت فكرة البنوك والمصارف الإسلامية التي تهدف إلى توفير بدائل شرعية خالية من الربا، تعتمد على صيغ العقود الإسلامية، ومن أهمها:
- المضاربة: مشاركة رأس المال بالعمل، ويكون الربح بين الطرفين على أساس نسبة شائعة (كـ 40% للمودع و 60% للبنك)، ويتحمل المودع الخسارة في رأس المال دون تعدٍ أو تقصير من البنك.
- المرابحة للآمر بالشراء: بيع السلعة بثمن مؤجل يتضمن ربحاً متفقاً عليه مسبقاً، لكن البيع يختلف عن القرض، إذ ينتقل فيه الملك من البنك إلى العميل.
ويجب على المسلم في التعامل مع البنوك الإسلامية أن يتحرى البنك الذي لديه هيئة رقابة شرعية مستقلة وموثوقة تضمن التزامه الفعلي بأحكام الشريعة، لأن مجرد تسمية البنك “إسلامياً” لا تكفي.
خامساً: حكم التصرف في الفوائد الربوية المكتسبة
بالنسبة لمن اضطر إلى إيداع أمواله في بنك ربوي لعدم وجود بديل آمن لحفظها، أو لمن كان جاهلاً بحكمها واكتسب منها فوائد:
القول الراجح: لا يجوز الانتفاع بهذه الفوائد الربوية، ويجب التخلص منها بصرفها في وجوه الخير العامة ومصالح المسلمين، مثل مساعدة الفقراء والمساكين، أو بناء المستشفيات ودور الأيتام، ولا تُعد هذه الفوائد صدقة يثاب عليها صاحبها، بل هي تطهير للمال.
إقرأ أيضا:حكم سب الدين
خلاصة الموقف
يبقى القول الراجح والأكثر عليه جماهير الفقهاء المعاصرين أنَّ فوائد البنوك التقليدية الثابتة والمضمونة على الودائع هي من الربا المحرم. وعلى المسلم أن يجتهد في إيجاد بدائل شرعية للادخار والاستثمار عبر المصارف الإسلامية، فإن لم يجد سبيلاً لحفظ ماله إلا عبر البنوك التقليدية، فله أن يودع بدون شرط الفائدة، ويتخلص من الفوائد المكتسبة إن اضطر البنك إلى منحها له.
