من البعثة إلى الهجرة

عرض الدعوة الإسلامية على القبائل

 

عرض الدعوة الإسلامية على القبائل: البحث عن دار النصرة

 

بعد سنوات طويلة من الاضطهاد والمعاناة في مكة المكرمة، وبعد أن أغلقت قريش كافة السبل لنشر الإسلام، اتخذ النبي محمد صلى الله عليه وسلم استراتيجية جديدة وحاسمة: عرض الدعوة الإسلامية على القبائل العربية الوافدة للحج أو التجارة. كانت هذه المرحلة بمثابة بحث دؤوب عن “دار النصرة”، أي المكان الذي يضمن حرية الدعوة، ويوفر الحماية الكافية للمسلمين للقيام بأمر ربهم.


 

1. الإطار الزماني والمكاني للاستراتيجية

 

تركزت جهود النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة على فترات محددة ومواقع استراتيجية:

  • موسم الحج: استغل النبي صلى الله عليه وسلم مواسم الحج السنوية، حيث كانت القبائل تتوافد إلى مكة من جميع أنحاء الجزيرة العربية لأداء المناسك.
  • الأسواق الكبرى: قام بزيارة الأسواق المشهورة مثل سوق عكاظ ومجنة وذي المجاز، حيث كان يتجمع زعماء القبائل وتُعقد التحالفات.
  • الهدف: تجاوز حاجز قريش، والوصول مباشرة إلى الزعامات القبلية التي تتمتع بالقوة والمنعة، وطلب الحماية (المنعة) مقابل تبليغ الرسالة.

 

إقرأ أيضا:إسلام طلحة بن عبيد الله من دلائل النبوة

2. طريقة العرض والمحتوى

 

كان النبي صلى الله عليه وسلم يواجه أشد أنواع الملاحقة من عمه أبي لهب، الذي كان يتبعه في الأسواق والمحافل، مردداً: “لا تسمعوا لهذا فإنه صابئ كاذب”. ومع ذلك، كان أسلوب النبي في العرض يتميز بما يلي:

  • الوضوح والجرأة: لم يساوم النبي صلى الله عليه وسلم في محتوى رسالته. كان يعرض عليهم التوحيد الخالص، وترك الأصنام، والإيمان به نبياً ورسولاً.
  • الوعد بالفتح والنصر: كان يُذكرهم بالدنيا والآخرة، ويَعِد من ينصره بميراث الفتح والملك، قائلاً: “يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وتملكوا بها العرب، وتدين لكم بها العجم”.
  • التركيز على المنعة: كان الطلب الرئيسي هو أن توفِّر له القبيلة الحماية من قريش، ليتمكن من تبليغ رسالة ربه.

 

3. نتائج الاستراتيجية (الرفض والمحاولات)

 

على الرغم من إصرار النبي صلى الله عليه وسلم، كانت معظم القبائل ترفض قبول الدعوة أو تقديم المنعة له، لأسباب متعددة:

القبيلة سبب الرفض أو الموقف الدلالة
بنو حنيفة ردوا رداً قبيحاً ورفضوا الدعوة، بسبب ترسيخ الجاهلية لديهم. العناد المتوقع من القبائل ذات القوة التي تخشى فقدان نفوذها.
بنو عامر بن صعصعة طلبوا أن تكون النبوة لهم بعد محمد صلى الله عليه وسلم، فرفض النبي ذلك، لأن النبوة لا تورث أو تعطى بمقايضة. الرفض السياسي وخشية زوال الزعامة القبلية.
بنو كلب لم يجد فيهم استجابة، واعتذروا بعدم القدرة على مواجهة قريش. الخوف من قريش وتقدير القوة المادية قبل القوة الإيمانية.

أهمية المحاولات الفاشلة: هذه المحاولات لم تكن فشلاً، بل كانت عملاً دعوياً أدى إلى:

إقرأ أيضا:الهجرة الأولى الى الحبشة
  1. نشر الخبر: انتشر خبر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم بين القبائل الكبرى في الجزيرة، فلم يعد الأمر مقتصراً على مكة.
  2. إقامة الحجة: أقام الحجة على جميع القبائل قبل أن يؤسس دولته ويصبح قوياً.

 

4. النجاح الحاسم: بيعتا العقبة (النصرة من الأنصار)

 

جاء النصر من قبائل يثرب (المدينة المنورة): الأوس والخزرج.

  • بيعة العقبة الأولى (12 من النبوة): التقى النبي صلى الله عليه وسلم بـ 12 رجلاً من يثرب عند “العقبة” بمِنى، فبايعوه على الإيمان، وأرسل معهم مصعب بن عمير ليكون أول سفير للإسلام، مما أدى إلى انتشار الإسلام في بيوت يثرب.
  • بيعة العقبة الثانية (13 من النبوة): حضر أكثر من سبعين رجلاً وامرأة من يثرب، فبايعوا النبي على الإيمان، والمنعة، وحماية الرسول صلى الله عليه وسلم كما يحمون أنفسهم وأبناءهم.

كانت بيعة العقبة الثانية هي عقد النصرة الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عنه، فمهدت الطريق للهجرة، ووضعت حجر الأساس للدولة الإسلامية. وهكذا تحول البحث المضني عن دار للنصرة إلى تأسيس المدينة النبوية التي انطلقت منها الرسالة إلى العالم.

إقرأ أيضا:إسلام عمرو بن عبسة
السابق
دلائل البعثة ومقدماتها
التالي
المستجيبون للدعوة من غير أهل مكة