“فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا”: إعجاز الترتيب في خلق الجنين
تمثل الآية الكريمة ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]، إيجازًا مُعجزًا لمراحل تخلق الإنسان. وتُعد عبارة “فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا” نقطة ارتكاز في التفسير العلمي الحديث لأطوار الجنين، مؤكدةً على دقة الترتيب الزمني لتكوين الأجهزة الأساسية.
أولاً: السياق القرآني والترتيب الزمني
تأتي هذه العبارة في سياق مراحل متتالية يمر بها الجنين داخل الرحم، حيث يُشير حرف “الفاء” في “فَكَسَوْنَا” إلى التعقيب والسرعة والتتابع المباشر بين مرحلة تكوين العظام وكسوتها باللحم، خلافًا لما قد يُفهم من حرف “ثم” الذي يفيد التراخي أو الترتيب البعيد.
- المراحل السابقة: يبدأ التكوين بـ النطفة (الخلية المخصبة)، تتحول إلى عَلَقَة (تتعلق ببطانة الرحم وتتشبه بالدم المتجمد)، ثم إلى مُضْغَة (قطعة لحم ممضوغة).
- مرحلة التمايز: في طور المضغة يبدأ التمايز الخلوي. يشير النص القرآني بوضوح إلى أن المرحلة التالية هي خلق العظام، التي تشكل الهيكل الأساسي للجسم.
- مرحلة الكساء (فكسونا العظام لحمًا): بعد تشكل الأنسجة الغضروفية التي ستتحول إلى عظام (الهيكل)، يأتي دور كسوتها وتغليفها بالأنسجة العضلية (اللحم). وهذا الترتيب الدقيق هو ما لفت انتباه علماء الأجنة.
إقرأ أيضا:كيف تغرب الشمس في عين حمئة
ثانياً: الإعجاز العلمي في أسبقية العظام على اللحم
لقد مثّل هذا الترتيب تحديًا للنظريات القديمة في علم الأجنة (مثل نظريات أبقراط وأرسطو)، والتي كانت تزعم أن اللحم (العضلات) يتكون أولاً ثم تتبعه العظام، أو أن التكوين يتم بشكل متزامن. ولكن مع تطور علم الأجنة وظهور المجهر، تأكد الترتيب القرآني:
- تكوّن الهيكل العظمي أولاً (الغضروف): في نهاية الأسبوع السادس وبداية الأسبوع السابع من عمر الجنين، تبدأ الخلايا السكليروتومية (التي ستُشكّل العظام والغضاريف) بالظهور والانتظام لتشكل الهيكل الغضروفي البدائي. هذه التراكيب الغضروفية (التي تُطلق عليها الآية اسم “عظام” توسعًا أو لأنها أصلها ومآلها) تظهر وتتحدد قبل الأنسجة العضلية.
- كسوة العظام باللحم (العضلات): بعد أن يتحدد شكل الهيكل العظمي، تأتي الخلايا المايوتومية (التي تُشكّل العضلات) لـ تنتشر وتحيط وتكسو هذا الهيكل العظمي، مُتخذةً شكلها النهائي بالالتفاف حول العظام.
- التعبير الدقيق بـ “كسونا”: استخدام لفظ “كسونا” (أي غطينا وألبسنا) دقيق جدًا، لأنه يُصور عملية الإحاطة والتغليف؛ فالعظام هي الأصل والأساس، واللحم هو الكساء والغلاف الخارجي الذي يشدها ويحميها ويُمكنها من الحركة.
ثالثاً: “ثم أنشأناه خلقًا آخر”
إقرأ أيضا:هل الإسلام ينفي كروية الأرض؟
بعد اكتمال بناء الهيكل (العظام واللحم)، تنتقل عملية الخلق إلى المرحلة التالية، التي يسميها القرآن “خلقًا آخر“. وقد فسرها معظم المفسرين بأنها نفخ الروح في الجنين، حيث يتحول الجنين من مجرد كائن حي عضوي إلى كائن بشري مزود بالروح والإدراك.
وتُختتم الآية بقوله: “فتبارك الله أحسن الخالقين“، تعظيمًا وإجلالاً للقدرة الإلهية التي أحكمت هذا النظام الدقيق في مراحل التكوين، مؤكدة على أن هذا الخلق الإعجازي لا يمكن أن يكون صُنع بشر، بل هو تقدير أحسن الخالقين.
هذا الفيديو يوضح بإيجاز ما يقوله العلم الحديث في مسألة أسبقية العظام على اللحم في خلق الجنين الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) يوضحه أ.د. محمود صديق.

