كيف تُفَسَّر “تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ”؟
تُعدّ الآية الكريمة ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: 86] من أكثر الآيات التي أثير حولها الجدل قديمًا وحديثًا، خاصةً فيما يتعلق بتوافقها مع الحقائق العلمية حول كروية الأرض ودورانها.
إلا أن التفسير الصحيح لهذه الآية، كما اتفق عليه جمهور المفسرين من السلف والخلف، لا يتعارض مع العلم، لأنه يعتمد على الرؤية البصرية (رأي العين) وليس على الحقيقة الكونية.
1. المعنى اللغوي لـ “عَيْنٍ حَمِئَةٍ”
لفهم دلالة الآية، يجب الوقوف على معاني كلماتها وفقًا للقراءات والتفاسير المعتبرة:
- وَجَدَهَا تَغْرُبُ: هذا اللفظ هو مفتاح فهم الآية. الفعل “وجد” هنا يُفيد الرؤية البصرية والمشاهدة، وليس الحقيقة المطلقة. فالمشهد الموصوف هو ما رآه ذو القرنين بعينه عندما بلغ أقصى نقطة في اتجاه الغرب.
- عَيْنٍ حَمِئَةٍ: وردت قراءتان متواترتان لهذه الكلمة:
- حمِئَةٍ: أي ذات حمأة، وهي الطين الأسود أو الوحل الأسود المتغير اللون والرائحة.
- حَامِيَةٍ: أي حارة أو ساخنة (من الحُمُوّ).
- الخلاصة: سواء كانت ذات طين أسود (حمئة) أو شديدة السخونة (حامية)، فالنهاية التي وصل إليها ذو القرنين كانت مسطحًا مائيًا كبيرًا يتميز بهذه الصفة.
إقرأ أيضا:سجود الشمس تحت العرش: معنى ودلالات شرعية
2. التفسير الصحيح للآية: مرأى العين
يُجمع العلماء والمفسرون على أن الآية تصف مشهد الغروب من منظور المشاهد (ذي القرنين) في ذلك المكان، ولا تقرر حقيقة أن الشمس—التي هي أكبر من الأرض بملايين المرات—تدخل وتغوص فعليًا في بئر أو بحيرة.
- المشهد البصري: عندما يصل أي شخص إلى ساحل بحر أو محيط واسع في وقت الغروب، وخاصة إذا كانت هناك مسطحات مائية موحلة أو ذات مياه عميقة (تبدو سوداء)، يبدو للناظر أن قرص الشمس يغيب وكأنه يهوي وينغمر في هذا المسطح المائي.
- قياس المشاهدة: شبه الإمام القرطبي هذا المشهد بقوله: “بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض”.
- التعبير البشري العادي: حتى في لغات العصر الحديث والمصطلحات الفلكية، يُستخدم تعبير “غروب الشمس” لوصف اختفائها تحت الأفق، مع العلم التام بأنها لم تختفِ كليًا بل غابت عن الرؤية نتيجة دوران الأرض. حتى وكالة “ناسا” الفضائية تستخدم تعبيرات مماثلة في وصف غروب الشمس على الكواكب الأخرى.
3. مغزى القصة الإيماني
إقرأ أيضا:لماذا لم يخلق الله الذكور مختونين؟ حكمة إلهية في الخلق والشرع الإسلامي
المغزى الأساسي من الآية لا يكمن في تحديد الموقع الجغرافي الدقيق للغروب أو في تقديم حقيقة فلكية، بل في بيان قدرة ذي القرنين على بلوغ أقصى المعمورة غربًا (مغرب الشمس)، حيث لا يوجد بعده إلا البحر أو أرض غير مأهولة، وإقامة العدل والإحسان بين القوم الذين وجدهم عند هذه النقطة القصوى.
إقرأ أيضا:كم عدد المفاصل في جسم الإنسان؟: أنواعها وتوزيعها وأهميتها الصحيةالآية تصف ظاهرة بصرية معروفة ومستخدمة في اللغة (غروب الشمس في مسطح مائي)، مع ذكر خصوصية المكان الذي وصل إليه ذو القرنين (عين حمئة)، ثم تنتقل مباشرة إلى العبرة الإيمانية والتشريعية في التعامل مع أهل تلك البلاد.
هذه الظاهرة، التي وصفها القرآن الكريم في قصة ذي القرنين، يشرحها هذا الفيديو الذي يناقش الإعجاز العلمي في قوله تعالى [الإعجاز العلمي في قوله تعالى عين حمئة].
