الاعجاز في الارض

كيف تغرب الشمس في عين حمئة؟

 

☀️ “ووجدها تغرب في عين حمئة”: استكشاف عميق لمشهد الغروب في قصة ذي القرنين

 

لطالما مثلت قصة ذي القرنين ورحلته العظيمة عبر الأرض، كما وردت في سورة الكهف، مصدر إلهام وتأمل عميق. وفي ثنايا هذه القصة، تبرز آية كريمة تشعل فضول الباحثين وتدعوهم إلى فك رموزها، وهي قوله تعالى عن رحلة ذي القرنين إلى أقصى الغرب: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ (الكهف: 86).

لا يتعلق الأمر هنا بوصف علمي جغرافي لحجم الشمس ومكانها في الكون، بل هو وصف دقيق للمشهد البصري الذي رآه القائد العظيم ذو القرنين عند وصوله إلى أبعد نقطة في اليابسة كان يمكن الوصول إليها آنذاك في الاتجاه الغربي. يفتح هذا التعبير البليغ الباب أمام عدة مستويات من الفهم والتأويل في التراث الإسلامي.


 

ما هي “العين الحمئة”؟ جوهر المفردة وتعدد القراءات

 

لفهم الآية، يجب أولاً تحديد معنى “العين الحمئة”، وهي تحمل معنيين رئيسيين مستمدين من القراءات القرآنية المختلفة:

 

1. “حَمِئَة” (ذات حَمْأَة): الطين الأسود والسواد

 

هذه القراءة هي الأشهر، و”الحَمْأَة” هي الطين الأسود أو الوحل الذي يكون في قاع الماء أو المستنقعات.

إقرأ أيضا:الله يزجي سحاباً: تأملات في آية المطر في القرآن الكريم
  • المعنى البصري: عندما وصل ذو القرنين إلى نهاية اليابسة، وجد نفسه على شاطئ أو ساحل بحر واسع (يُعتقد أنه المحيط الأطلسي أو ما شابه). عند النظر إلى الأفق البعيد فوق سطح الماء، تبدو الشمس الكبيرة وكأنها تغطس وتختفي داخل ذلك المسطح المائي الهائل. إذا كان هذا المسطح ضحلًا أو قريبًا من طين البحر الأسود، أو كان في منطقة ذات ينابيع كبريتية أو بركانية تُحوّل المياه إلى لون داكن، فإن الرائي يرى وكأن الشمس تدخل في عين (مسطح مائي) ذات حمأة (طين أسود أو داكن).
  • الرؤية البصرية (في رأي العين): يجمع المفسرون، قديمًا وحديثًا، على أن هذا الوصف هو “في رأي العين” أو “في نظر الرائي”. فكل إنسان يقف على شاطئ واسع يرى الشمس وكأنها “تغرق” في البحر، مع الفارق أن ذي القرنين شاهدها في بقعة ذات طبيعة حمئية أو داكنة متميزة.

 

2. “حَامِيَة”: الحرارة المشتعلة

 

هذه القراءة الثانية تعني “حارَّة” أو “ملتهبة”.

  • المعنى البصري: الشمس في وقت الغروب تكون حمراء ومشتعلة. عندما تنعكس أشعة الغروب الساطعة على سطح مائي واسع (عين)، فإنها تُعطي إحساسًا وكأن الماء نفسه ملتهب أو شديد الحرارة. هذا الوصف يعكس شدة حرارة وقوة جرم الشمس حتى وهي تتوارى عن الأنظار.
  • الجمع بين المعنيين: يرى بعض العلماء أنه يمكن الجمع بين القراءتين، فالمنطقة التي رآها ذو القرنين كانت عينًا مائية حارة (حامية) وذات طين أسود (حمئة)، ربما لكونها منطقة بركانية نشطة أو خليجًا ذا ينابيع حارة.

 

إقرأ أيضا:الإعجاز العلمي في ذكر الزلازل والبراكين في القرآن الكريم

🌅 الغروب: دلالة الحركة ورحلة ذي القرنين

 

إن الغروب في هذا السياق لا يركز فقط على الظاهرة الكونية، بل هو جزء لا يتجزأ من وصف رحلة ذي القرنين كقائد مستكشف، حيث:

  • بلوغ المنتهى: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ يشير إلى وصوله إلى أقصى حدود المنطقة المأهولة التي يمكن الوصول إليها في الاتجاه الغربي في عصره. لقد كان الغرب آخر حدود الأرض المعروفة.
  • مشهـد النهاية: لقد أراد الله أن يصف عظمة ما رآه ذو القرنين عند هذه النقطة القصوى. فبدلاً من أن يكون الوصف جغرافياً بحتاً، كان وصفًا وجدانيًا وإدراكياً يعكس عظمة المشهد، حيث يختلط ضوء الشمس المودّع بسواد الطين وعمق الماء.

 

📜 المغزى العقدي والتاريخي

 

تكمن القيمة الهادفة لهذا المشهد في عدة جوانب:

  • القدرة الإلهية: تؤكد الآية أن سير الشمس وتحركها يخضع لإرادة وقدرة خالقها. فكما أن الشمس تسجد تحت العرش، فإن حركتها الظاهرة والباطنة تدل على التسخير الإلهي.
  • العبرة لا الجغرافيا: الهدف من القصة هو بيان عظمة ذي القرنين وقدرته على الوصول إلى أقصى الأرض وسلطته التي مكنه الله منها للحكم بالعدل بين الأقوام. لذا، فإن الوصف البصري للغروب هو مجرد خلفية للمشهد الأهم: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾.
  • عدم التناقض مع العلم: لقد أكد العلم الحديث أن الشمس أكبر بكثير من الأرض ولا تغرب في عين مائية بالمعنى الحقيقي. لذلك، يؤكد المفسرون المعاصرون على أن القرآن يصف الظاهرة كما تبدو للرائي البشري (في رأي العين)، وهو أسلوب عربي بلاغي شائع ومألوف لا يتقاطع مع الحقائق العلمية الكونية المطلقة.

في الختام، تبقى الآية دليلاً بليغًا على قوة الوصف القرآني الذي يلتقط المشهد الإدراكي للناظر، ويضعه كخلفية لهدف أعظم، وهو بيان رحلة قائد عادل وتعامله مع الأقوام الذين وجدهم عند نهاية العالم المعروف.

إقرأ أيضا:الجُدد البيض والحمر والغرابيب السود

هل لديك عنوان آخر تود أن أكتب عنه مقالاً شاملاً ومستقلاً؟

السابق
رد على ملحد (1) متى خلقت الأرض؟
التالي
الله يزجي سحاباً: تأملات في آية المطر في القرآن الكريم