مقال: مائدة النبوة… ما هو أحب الطعام إلى الرسول صلى الله عليه وسلم؟
لم تكن حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم حياة ترف أو بذخ، بل كانت مثالاً للبساطة والزهد، حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: “ما شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُنْذُ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، مِن خُبْزِ بُرٍّ ثَلَاثَ لَيَالٍ تِبَاعًا حَتَّى قُبِضَ”.
ومع ذلك، وردت في السيرة النبوية أحاديث صحيحة تُبين الأطعمة التي كانت أحب إلى نفسه، ليس من باب التكلف، بل مما تيسر منها، لتُشكل هذه الأطعمة دليلاً على ذوقه في اختيار الأفضل صحياً، وتجسيداً للسنة النبوية في الغذاء.
الثريد: سيد الطعام
يُعد الثريد أحب الأطعمة إلى قلب النبي صلى الله عليه وسلم على الإطلاق، وهو ما يُعرف بـ “المَرَق” الذي يُصنع من الخبز المفتوت بالمرق واللحم.
وقد ورد في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله:
“فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام”
وقد استنبط العلماء من تفضيله للثريد ما يلي:
- الجمع بين الفائدة والسهولة: يجمع الثريد بين اللحم (سيد الإدام) والخبز (سيد الأقوات)، فهو طعام كامل وسهل المضغ والبلع، مما يجعله خفيفاً على المعدة.
- التواضع والبركة: كان الثريد طعاماً شعبياً وبسيطاً في ذلك الوقت، مما يتناسب مع بساطة عيش النبي صلى الله عليه وسلم.
إقرأ أيضا:سيرة السيدة زينب
الحلواء والعسل: المحبوب من الطيبات
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب كل ما هو طيب من الحلوى والعسل:
- العسل: ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل”. والعسل ليس مجرد طعام، بل هو شفاء، وقد أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم للتداوي، بقوله: “عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن”.
- التمر والرطب: كان التمر غالب قوت أهل المدينة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوصي به، ويقول: “يا عائشة، بيت لا تمر فيه جياع أهله”. وكان يفضل تناوله وتراً (ثلاث أو خمس أو سبع تمرات) اقتداءً بهديه.
اللحم وخيار الأجزاء
كان صلى الله عليه وسلم يحب اللحم، خاصةً أجزاء محددة منه:
- الذراع: كان أحب اللحم إليه هو الذراع من الشاة، وهو لحم طيب، ويتميز بأنه أخف وأسرع هضماً من غيره، وهو ما يوافق الهدي النبوي في الاعتدال والحفاظ على صحة الجسد.
- المرق: كان يحب المرق ويحث على الإكثار منه، فقد قال لأبي ذر: “إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك”.
إقرأ أيضا:وفاة عبدالرحمن بن عوف
الإدام البسيط: الخل
من الأطعمة التي مدحها النبي صلى الله عليه وسلم مع بساطتها هو الخل. فقد دخل صلى الله عليه وسلم على أهله ذات مرة وسألهم الإدام، فقالوا: “ما عندنا إلا خل”، فطلب أن يؤتى به، وأكل منه وهو يقول:
“نِعْمَ الإِدامُ الخَلُّ”
وهذا يدل على قيمة الأطعمة البسيطة والنافعة، وعدم اشتراط التكلف في المائدة.
الفواكه والخضروات المفضلة
كان النبي صلى الله عليه وسلم يتناول من الفواكه والخضروات ما تيسر في بلده، ومن أحبها إليه:
- القرع (الدباء): ثبت أنه كان يتتبع “الدباء” من حول القصعة، مما يدل على حبه لها.
- الرطب والبطيخ: كان يأكل البطيخ بالرطب، لما فيه من تكسير لحرارة البطيخ وحلاوة الرطب.
- الزيت والزيتون: حثّ على تناول الزيت والدهن به، قائلاً: “كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة”.
هدي نبوي في الغذاء
أهم من معرفة نوع الطعام المحبوب هو معرفة هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تناوله:
- الاعتدال: ما ملأ بطنه قط، ونهى عن الإسراف، وقال: “ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه”.
- الأدب: كان يأكل مما يليه، ويسمي الله في أول طعامه، ويحمده في آخره.
- عدم العيب: “ما عاب النبي صلى الله عليه وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه”.
إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لطعام معين لم تكن تفضيلاً دنيوياً للذائذ فحسب، بل كانت تتوافق مع الأطعمة التي أثبت العلم الحديث فوائدها العظيمة، وتؤكد على بساطة العيش والصحة الجسدية والروحية.
إقرأ أيضا:شخصيات علمية من العصر العباسي