التاريخ الاسلامي

زوجة أبي لهب

 

مقال: أم جميل.. حمالة الحطب التي خلدها القرآن

 

لم يُذكر اسم امرأة في القرآن الكريم بالسوء كما ذُكرت زوجة أبي لهب، عمّ النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فقد خُصصت لها آية كريمة في سورة المسد، لتبقى شاهدة على سوء عاقبة العناد والتجبر في مواجهة الحق. إنها أروى بنت حرب بن أمية، التي اشتهرت بلقب “أم جميل”، وكنيت في القرآن بـ “حمالة الحطب”.

 

نسبها ومكانتها

 

تنتمي أم جميل إلى سادات قريش؛ فهي أخت أبي سفيان بن حرب، وهي بذلك من بيت عريق ذي مكانة ومال. هذه المكانة الاجتماعية، إلى جانب ثرائها الشخصي، جعلتها تُدير صراعها مع الدعوة الإسلامية بمنطق التعالي والغطرسة، ودفعتها لتكون خير عون لزوجها أبي لهب في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم.

 

حمالة الحطب: اللقب القرآني الخالد

 

أشار القرآن الكريم إليها في سورة المسد بقوله تعالى:

 

اختلف المفسرون في تفسير “حمالة الحطب” على رأيين رئيسيين، كلاهما يدل على شدة عداوتها وإيذائها للنبي صلى الله عليه وسلم:

  1. المعنى الحسي (الفعل): كانت تقوم بأعمال دنيئة لإيذاء النبي صلى الله عليه وسلم، منها أنها كانت تجمع أغصان الشوك والأشواك وتطرحها ليلاً في طريق النبي صلى الله عليه وسلم ومسار حركته؛ ليتأذى بها في الظلام.
  2. المعنى المعنوي (القول): قيل إن “حمالة الحطب” كناية عن النميمة وبثّ الفتنة والشر بين الناس، فكانت تحطب الكلام السيئ لتوغر به صدور الناس على النبي صلى الله عليه وسلم، وتوقد نيران العداوة.

وفي كلا المعنيين، كان الجزاء من جنس العمل، فكأنها تحطب نار جهنم لنفسها، ولذلك جاء الوعيد في الآية التالية: “فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ”، أي حبل من ليف شديد أو من نار جهنم، يكون في عنقها يوم القيامة.

إقرأ أيضا:من هم المماليك ومن أين جاؤوا

 

مظاهر عداوتها للإسلام

 

لم يقتصر إيذاء أم جميل على الشوك والحطب، بل كان لها مواقف أخرى تجسد عداءها الشديد:

  • السخرية والتشفي: عندما انقطع الوحي عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة، ذهبت أم جميل لتتشّفى وتقول للنبي: “ما أرى شيطانك إلا ودعك وقلاك”، فأنزل الله تعالى رداً على مقولتها في مطلع سورة الضحى:

    .

  • إنفاق المال في العداوة: كانت تُعرف بقلادتها الفاخرة، وقد توعدت بأنها ستنفقها كلها في عداوة محمد ودينه، فجعل الله تلك القلادة وبالاً عليها.
  • محاولة الاعتداء: عندما نزلت سورة المسد، غضبت أم جميل غضباً شديداً، وجاءت تحمل حجراً (فهراً) وهي تنشد شعراً تسب فيه النبي صلى الله عليه وسلم، متجهة إلى الكعبة حيث كان يجلس مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وقد كانت معجزة إلهية عظيمة أن حجبها الله عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فلم تر إلا أبا بكر، فسألته عنه بحدة، ثم انصرفت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: “سيكفينيها الله”.

 

خاتمة: عاقبة الكفر والعناد

 

تُختتم قصة أم جميل وزوجها أبي لهب في سورة المسد بوعيد إلهي قاطع بالنار، وهذا الوعيد الذي نزل والزوجان لا يزالان على قيد الحياة، يُعدّ معجزة عظيمة للقرآن الكريم، فقد كان بإمكانهما ادعاء الإسلام لمرة واحدة لكذب القرآن، ولكنهما بقيا على كفرهما حتى ماتا، ليتحقق الوعد الإلهي ويُثبت صدق النبوة. لقد كانت أم جميل نموذجاً للمرأة التي استخدمت حسبها ومالها ونفوذها في عداوة دين الله، فجعل الله عاقبتها خلوداً في النار، وخلد قصتها في القرآن لتكون عبرة لمن يتولى عن الحق ويستعين بالباطل.

إقرأ أيضا:كيف سقطت الدولة الأموية
السابق
ما هو احب الطعام عند الرسول
التالي
ما هي قصة النبي عزير