إقرأ أيضا
التيسير ورفع الحرج هو مبدأ أساسي وسِمة جوهرية في الشريعة الإسلامية، وقد دلت عليه نصوص قطعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، مثل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (البقرة: 185)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: 78).
تظهر مظاهر التيسير في الشريعة الإسلامية في جميع أبوابها، سواء في العبادات أو المعاملات، ومن أهم هذه المظاهر:
1. في العبادات (رفع الحرج عند وجود المشقة):
- في الصلاة:
- القصر والجمع: إباحة قصر الصلاة الرباعية (جعلها ركعتين) وجمع الصلوات للمسافر.
- صلاة المريض: جواز الصلاة جالسًا، فإن لم يستطع فمضطجعًا، أو بالإشارة، حسب استطاعته.
- صلاة الخوف: وجود كيفية خاصة لأدائها في حال الحرب والخوف.
- في الطهارة:
- التيمم: إباحة التيمم بالتراب بدلاً من الوضوء أو الغسل عند فقدان الماء أو العجز عن استعماله (كالمرض).
- المسح على الخفين والجوربين: إباحة المسح عليهما بدلاً من غسل القدمين لمدة يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام للمسافر.
- تخفيف النجاسة: الاكتفاء بغسل موضع النجاسة فقط دون غسل الثوب كله.
- في الصيام:
- الفطر للمسافر والمريض: إباحة الإفطار في رمضان على أن يتم قضاء الأيام لاحقاً.
- الفطر للحامل والمرضع: إباحة إفطارهما خوفاً على نفسيهما أو على الطفل مع القضاء أو الفدية.
- النسيان: إذا أكل الصائم أو شرب ناسياً فصيامه صحيح ولا قضاء عليه.
- في الحج:
- البدائل: إباحة التحلل من الإحرام للمحصر (من منعه عدو أو مرض) بتقديم هدي.
- السعي: إباحة السعي على الكرسي أو العربة للعاجز عن المشي.
- النيابة: جواز الإنابة في الحج عن الميت أو العاجز جسدياً (حج البدل).
إقرأ أيضا:صفات أولياء الله
2. في التشريع العام (قواعد التيسير):
تعتمد الشريعة على قواعد فقهية عظيمة تحقق التيسير، أبرزها:
- قاعدة “المشقة تجلب التيسير”: وهي الأصل الذي تنبع منه جميع الرخص والتخفيفات.
- قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”: كجواز أكل الميتة لمن أشرف على الهلاك ولم يجد طعاماً حلالاً، دفعاً للضرر الأكبر.
- قاعدة “العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني”: التي ترفع الحرج عن الناس عند وقوعهم في أخطاء لفظية.
- قاعدة “العفو عما عمت به البلوى”: مثل العفو عن يسير النجاسات أو ما قد يشق التحرز منه.
3. رفع المؤاخذة عن بعض الحالات:
تخفيفاً على العباد، رفعت الشريعة المؤاخذة عن المكلف في حالات معينة:
- النسيان والخطأ والإكراه: لقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»
(رواه ابن ماجه).
- عدم التكليف بما لا يُطاق: لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286).
4. في الأحكام والعقوبات:
إقرأ أيضا:الصكوك الإسلامية
- التوبة: إباحة التوبة من جميع الذنوب والخطايا في أي وقت، ومحو ما قبلها.
- الرأفة في الحدود: كوجوب درء الحدود بالشبهات (رفع العقوبة عند وجود أدنى شك).
- الاستثناءات: حصر الأموال التي تجب فيها الزكاة بشروط محددة (كالنصاب والحول) لعدم إيقاع الحرج على عامة الناس.
هذه المظاهر تُبرز أن الشريعة الإسلامية شريعة سمحة مرنة، تتوافق مع فطرة الإنسان وقدراته، ولا تقصد إيقاعه في الحرج والمشقة.
