معركة الخرطوم هي ذروة المواجهة بين قوات المهدي السوداني (محمد أحمد المهدي) وقوات الحكم المصري-التركي المتمثلة في الحاكم البريطاني تشارلز جورج غوردون (Gordon Pasha). لم تكن المعركة مجرد اشتباك عسكري، بل كانت حصارًا طويلاً انتهى بانتصار المهدية وسقوط الخرطوم، عاصمة السودان آنذاك.
أولًا: الخلفية التاريخية وبداية الحصار
- ظهور الحركة المهدية (1881): ظهر محمد أحمد المهدي مدعيًا أنه “المهدي المنتظر”، وثار على الحكم المصري-التركي الذي كان مستبدًا وفاسدًا في نظر السودانيين، وأعلن الجهاد ضد هذا الحكم وضد النفوذ الأجنبي.
- إرسال غوردون (1884): بعد الانتصارات المتتالية لقوات المهدي، قررت الحكومة البريطانية (التي كانت تسيطر فعليًا على مصر) إرسال الجنرال تشارلز جورج غوردون، الذي كان يتمتع بخبرة واسعة في السودان، لمهمة إجلاء الجنود والموظفين المصريين والأوروبيين من الخرطوم بعد أن أصبح من الصعب الدفاع عنها.
- غوردون يقرر المقاومة: وصل غوردون إلى الخرطوم في فبراير 1884، لكنه لم يلتزم بخطة الإجلاء، بل قرر المقاومة والدفاع عن المدينة، معتقدًا أنه سيحصل على تعزيزات بريطانية.
- بدء الحصار: فرضت قوات المهدي حصارًا كاملاً ومحكمًا على الخرطوم في مارس 1884، عازلة المدينة عن أي إمدادات أو تعزيزات خارجية.
ثانيًا: الحصار وسقوط المدينة (يناير 1885)
استمر الحصار حوالي 313 يومًا، حيث صمد غوردون وقواته رغم النقص الحاد في الغذاء والعتاد، مقابل تزايد قوة جيش المهدي.
- التأخر البريطاني: أرسلت بريطانيا “حملة الإنقاذ” بقيادة الجنرال وولسلي لفك الحصار، لكن هذه الحملة تحركت ببطء شديد عبر الصحراء.
- المهدي يشن الهجوم: مع اقتراب حملة الإنقاذ، خشي المهدي من وصولها، فقرر شن هجوم حاسم على الخرطوم. وفي فجر 26 يناير 1885، اقتحمت قوات المهدية المدينة.
- مقتل غوردون: انتهت المعركة بسقوط الخرطوم، وقُتل الجنرال غوردون على يد جنود المهدية. لم تصل حملة الإنقاذ إلا بعد يومين فقط من سقوط المدينة، لتعود أدراجها.
ثالثًا: النتائج والتداعيات
كان لسقوط الخرطوم نتائج بعيدة المدى على تاريخ السودان:
- تأسيس الدولة المهدية: أُعلن قيام الدولة المهدية وعاصمتها أم درمان (على الضفة المقابلة للخرطوم)، وتخلص السودان من الحكم المصري-التركي.
- الرد البريطاني: أدى مقتل غوردون (الذي كان بطلاً شعبيًا في بريطانيا) إلى صدمة وغضب كبيرين في لندن، ولكنه أدى أيضًا إلى انسحاب مؤقت للقوات البريطانية والمصرية من السودان.
- احتلال السودان لاحقًا: بعد 13 عامًا، عادت القوات البريطانية والمصرية بقيادة اللورد هربرت كيتشنر لتغزو السودان، وهزمت المهدية في معركة أم درمان (1898)، مما أدى إلى تأسيس الحكم الثنائي البريطاني-المصري على السودان.
تُعتبر معركة الخرطوم رمزًا للانتصار الوطني السوداني على القوى الخارجية، وبداية لعهد من الحكم الذاتي الديني والسياسي.
