أديان

هل أرسل المسيح إلى الناس كافة ؟

تُعد مسألة نطاق رسالة المسيح، عيسى بن مريم عليه السلام، من الموضوعات اللاهوتية والتاريخية الهامة التي تتطلب النظر في تعاليمه المباشرة كما وردت في الأناجيل، ومقارنتها بالتوسع الذي شهدته المسيحية لاحقًا على يد تلاميذه.

يُظهر التحليل أن رسالة المسيح في حياته على الأرض كانت موجهة بشكل رئيسي ومباشر إلى بني إسرائيل، لكنها تضمنت بذورًا عالمية انتشرت بعد رفعه.

 

1. التركيز الأولي: “خراف إسرائيل الضالة”

خلال حياته، كان تركيز المسيح منصباً بشكل واضح على الشعب اليهودي، أو ما يُسمى في الأناجيل بـ “خراف بيت إسرائيل الضالة”. وتشير العديد من النصوص الإنجيلية إلى هذا التحديد:

  • تصريح مباشر: في إنجيل متى (الإصحاح 15)، عندما أتت إليه امرأة كنعانية (غير يهودية) تطلب منه شفاء ابنتها، قال لها المسيح: “لم أُرسَل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.” هذا التصريح هو أقوى دليل على تحديد رسالته في المرحلة الأولى.
  • تعليمات للتلاميذ: عندما أرسل المسيح تلاميذه الاثني عشر لأول مرة، كانت تعليماته واضحة ومحددة: “إلى طريق أمم لا تمضوا، وإلى مدينة للسامريين لا تدخلوا، بل اذهبوا بالأحرى إلى خراف بيت إسرائيل الضالة.” (متى 10: 5-6).
  • الخلفية اليهودية: كان المسيح نفسه ملتزماً بالشريعة اليهودية، ووعظ في المجامع اليهودية (الكنس)، وكان يهدف إلى تجديد العهد مع الله داخل الإطار اليهودي.

هذا التركيز الأولي كان ضرورياً لإتمام النبوءات اليهودية وإرساء الأساس الروحي في البيئة التي نشأ فيها الوحي.

إقرأ أيضا:التنصير : التعريف وأبرز الشخصيات

 

2. التحول العالمي: التفويض الكبير

شهدت رسالة المسيح تحولاً جذرياً في نطاقها بعد قيامته (وفق المعتقد المسيحي). هذا التحول هو الأساس الذي بُنيت عليه الدعوة المسيحية العالمية:

  • التكليف الشامل: قبل صعوده (أو رفعه)، أعطى المسيح تلاميذه ما يُعرف باسم “التفويض الكبير”، وهو تغيير كامل في نطاق الدعوة. جاء في إنجيل متى (28: 19): “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس.”
  • الانتشار إلى أقصى الأرض: وفقًا لأعمال الرسل (1: 8)، قال المسيح: “تكونون لي شهودًا في أورشليم، وفي كل اليهودية والسامرة، وإلى أقصى الأرض.” هذا النص يوضح انتقال الدعوة التدريجي من المحلية (أورشليم) إلى الشمولية (أقصى الأرض).

هذا التحول هو ما يفسر سبب تحول المسيحية من طائفة يهودية صغيرة إلى ديانة عالمية.

 

3. دور بولس الرسول في العالمية

كان للشخصية المحورية بولس الرسول (شاول الطرسوسي) الدور الأبرز في تطبيق التفويض العالمي، وهو ما يطلق عليه “رسول الأمم” أو “رسول غير اليهود”.

  • التركيز على غير اليهود: قام بولس برحلات تبشيرية واسعة إلى مدن اليونان وروما ومناطق آسيا الصغرى، حيث بشر غير اليهود مباشرة دون اشتراط الالتزام الكامل بالشريعة اليهودية (مثل الختان). هذا الموقف أدى إلى نزاع داخل الكنيسة المبكرة، لكنه أقرّ لاحقاً في “مجمع أورشليم” بأن رسالة المسيح مفتوحة للجميع.

الخلاصــة

الفترة الزمنية نطاق الرسالة الهدف/الغاية
خلال حياة المسيح محدود وموجه لبني إسرائيل (اليهود). تجديد العهد وإتمام النبوءات داخل الأمة المختارة.
بعد رفعه/قيامته عالمي وشامل لجميع الأمم والشعوب. تأسيس الكنيسة العالمية ونشر الإنجيل للجميع.

بناءً على النصوص، يمكن القول إن رسالة المسيح في جوهرها كانت تحمل بذور العالمية (خاصة في تعاليمه الأخلاقية)، ولكن تنفيذها ودائرة انتشارها لم تتسع لتشمل “الناس كافة” إلا بعد رفعه، على يد تلاميذه الذين نفذوا “التفويض الكبير” بنشر الإيمان إلى جميع الأمم.

إقرأ أيضا:هل الإنجيل كلام الله (1)
السابق
إبطال شبهات النصارى حول وراثة الخطيئة
التالي
ألوهية المسيح في الإسلام: رؤية شرعية من القرآن والسنة