الله والمخلوق

هل سيعامل الجميع بعدل؟

 

هل سيعامل الله الجميع بعدل؟ اليقين في الميزان المطلق

 

 

المقدمة: العدل صفة إلهية راسخة

 

إن السؤال عن “عدل الله” هو أحد أعمق التساؤلات الفلسفية والدينية التي تشغل الفكر الإنساني. فبينما نرى في حياتنا اليومية تفاوتاً وظلماً نسبياً، تظل الحقيقة الأساسية في الأديان السماوية، وخاصة الإسلام، هي أن العدل صفة جوهرية ومطلقة لله سبحانه وتعالى. العدل الإلهي ليس مفهوماً بشرياً قابلاً للخطأ والتحيز، بل هو كمال مطلق لا يمكن أن يتخلف أو يزول. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (النساء: 40). هذا اليقين هو الركيزة التي يقوم عليها الإيمان بالحياة الآخرة.


 

1. العدل في المفهوم الإلهي: وضع الشيء في موضعه

 

العدل في الإسلام هو إعطاء كل ذي حق حقه، وهو يتجاوز مجرد المساواة الظاهرية ليصبح حكمة بالغة ووضعاً للأمور في نصابها الصحيح في سياق الكون كله.

  • العدل المطلق غير المتحقق في الدنيا: قد يرى الإنسان في الدنيا أن الظالم يعيش مرتاحاً والمظلوم يصارع، فيتساءل عن العدل. والحقيقة أن العدل الذي نراه في الدنيا هو عدل نسبي ومؤقت. أما العدل الإلهي المطلق، الكامل والناجز، فهو مُدَّخر ليوم القيامة. الدنيا هي دار عمل وامتحان، وليست دار جزاء نهائي.
  • تحريم الظلم على الذات: من أصول الاعتقاد في الإسلام أن الله قد حرم الظلم على نفسه، وجعله بين العباد محرماً، كما ورد في الحديث القدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا”. وهذا يؤكد استحالة أن يقع أي ظلم على أي مخلوق مهما صغر.
  • المساءلة بالقدرة والطاقة: العدل الإلهي لا يعني معاملة الجميع بـ “المساواة في النتائج”، بل بـ “المساواة في المحاسبة” بناءً على ما أتيح لكل شخص. فمن بلغته الرسالة ووصلته الحجة ليس كمن لم تبلغه. والقاعدة القرآنية تقول: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286).

 

إقرأ أيضا:هداية الخالق الكائنات لطريقة التكاثر

2. العدل في الجزاء يوم القيامة: ميزان القسط

 

يوم القيامة هو اليوم الذي يتجلى فيه العدل الإلهي بصورته الكاملة، ومن أجل هذا سُمّي بيوم الفصل.

  • الميزان الدقيق: يوضع ميزان القسط، ولا تُظلم نفس شيئاً. فكل عمل، صغيراً كان أو كبيراً، خيراً أو شراً، يحاسب عليه صاحبه بدقة متناهية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ (الأنبياء: 47).
  • القصاص بين الخلق: يكتمل العدل حتى في أدق الأمور، فيقتص للمظلوم من الظالم، ولذوات الأرواح من بعضها البعض، حتى يقتص للشاة الجلْحاء (التي لا قرون لها) من الشاة القرناء. هذا القصاص هو إقامة كاملة للحقوق قبل البدء بالجزاء الأبدي.
  • أعمال الكافرين: من تمام العدل الإلهي أن الإنسان الذي يعمل خيراً في الدنيا وهو كافر، لا يضيع عمله سدى. بل إن الله يجازيه به في الدنيا بالصحة أو المال أو الثناء وغيره. أما في الآخرة، فالأساس هو الإيمان بالتوحيد الذي يوزن معه العمل الصالح.

 

3. العدل والحجة الإلهية: لا عذاب قبل البيان

 

من أرقى صور العدالة الإلهية، عدم معاقبة أي إنسان إلا بعد إقامة الحجة عليه وإرسال الرسل إليه.

إقرأ أيضا:دور حاسة الشم في عملية التذوق
  • إرسال الرسل: يؤكد القرآن الكريم على أن الله لا يعذب قوماً إلا بعد أن يبعث إليهم رسولاً مبيناً يحمل لهم الشريعة ويوضح لهم طريق الحق: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (الإسراء: 15).
  • أهل الفترة ومن لم تبلغه الدعوة: هذا يشمل كل من عاش في زمن لم تصله فيه رسالة صحيحة، أو لم يتمكن من فهمها بشكل سليم (كأهل الفترة أو من عاشوا في مناطق نائية). مصيرهم متروك لعلم الله وعدله المطلق، وقد دلت النصوص على أنهم يُمتحنون يوم القيامة بما يتناسب مع حالهم، ويكون الحساب عادلاً تماماً.

 

إقرأ أيضا:معنى قيام الساعة في آيات القرآن الكريم

الخلاصة: الاطمئنان إلى ميزان السماء

 

إن اليقين بعدالة الله المطلقة هو مصدر طمأنينة وسكينة للمؤمن. فهو يعلم أن ما يراه من نقص أو ظلم في الدنيا ليس سوى جزء من حكمة بالغة ومؤقتة. أما العدالة الحقيقية، التي لا يُخطئ فيها ميزان، ولا تضيع فيها ذرة، فسوف تتحقق بالكامل أمام الخلائق أجمعين في ساحة الحساب. الإجابة الحاسمة على السؤال هي: نعم، سيعامل الله الجميع بعدل مطلق وكامل، بما يتفق مع علمه الشامل، وحكمته البالغة، ورحمته الواسعة، وقدرته على الإحاطة بكل صغيرة وكبيرة في هذا الكون.

السابق
الحزن يزيد من خطر الموت
التالي
نعمة الدمع