بالتأكيد. سأقوم بإعداد مقال شامل ومفصل يتناول هذه المسألة العقائدية الهامة والحساسة بعنوان: “هل شهد القرآن بصحة الإنجيل والتوراة الموجودين؟ الإقرار بالأصل والشهادة بالتحريف”.
هل شهد القرآن بصحة الإنجيل والتوراة الموجودين؟ الإقرار بالأصل والشهادة بالتحريف
تُعدّ العلاقة بين القرآن الكريم والكتب السماوية السابقة (التوراة والإنجيل) من أكثر القضايا التي يقع فيها الخلط والالتباس. يقر القرآن بأهمية هذه الكتب وصدقها، لكنه في الوقت ذاته، يحمل شهادة صريحة على عدم نقاء النسخ المتداولة بين يدي أهل الكتاب.
لتوضيح الموقف القرآني، يجب التمييز بين مفهوم “أصل الإنجيل المنزل” ومفهوم “النسخ الموجودة والمحرَّفة”.
أولاً: إقرار القرآن بأصل الإنجيل (الشهادة الإيجابية)
يشهد القرآن الكريم إيجابياً لأصل الكتب السماوية، وهذا الإقرار أساسي لثبات سلسلة الوحي والرسالة:
1. الإنزال والوصف بالنور والهدى
شهد القرآن بأن الله أنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام، والتوراة على موسى عليه السلام، وجعلهما هداية ونوراً لأقوامهما.
- قال تعالى في سياق ذكر التوراة والإنجيل:
$$\text{وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ}$$
(سورة المائدة: 46).
- هذا الإقرار يؤكد أن الدين الإلهي واحد في أصوله، وأن الأنبياء جميعاً جاؤوا بنفس الرسالة التوحيدية.
إقرأ أيضا:ثمرات الإيمان بالكتب السماوية
2. التصديق لما بين يديه
جاء القرآن بصفة “مُصدِّقاً” للكتب السابقة، وهذا يعني:
- تصديق لأصل الوحي: إقرار بأنها نزلت من عند الله.
- تصديق لخبر النبوة: تأكيد لجميع ما جاء في تلك الكتب من أصول العقيدة وأخبار الأنبياء.
فالقرآن شهد بـ صدق ما أنزل على عيسى وموسى، وليس بـ صحة كل كلمة وجدت في النسخ البشرية.
ثانياً: شهادة القرآن على التحريف والكتمان (الشهادة السلبية)
رغم إقرار القرآن بأصل الإنجيل، فإنه في الوقت ذاته ينفي العصمة والكمال عن النسخ المتداولة، ويُشير إلى وقوع تحريف وكتمان:
1. الكتابة باليد والادعاء
أشار القرآن إلى أن بعض أهل الكتاب قاموا بتغيير النص الإلهي بأيديهم ونسبوه إلى الله زوراً:
- قال تعالى:
$$\text{فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗا}$$
(سورة البقرة: 79).
- هذه الآية تُعد إدانة صريحة لتحريف نصي، يُدخل البشر أقوالهم الشخصية أو تفسيراتهم في النص المقدس.
إقرأ أيضا:ثمرات الإيمان بالكتب السماوية
2. التلبيس والكتمان
ذكر القرآن أنهم كانوا يخلطون الحق بالباطل ويُخفون الحقيقة، خاصة ما يتعلق بالبشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم.
- قال تعالى:
$$\text{يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ}$$
(سورة آل عمران: 71).
- هذا دليل على التحريف المعنوي والتأويل الفاسد للنصوص، بالإضافة إلى الكتمان المتعمد للنصوص الصريحة.
3. القرآن هو المُهيمن والحاكم
القرآن لم يأتِ ليتبع الكتب السابقة، بل جاء ليكون “المُهيمن” عليها، وهي أهم دلالة على عدم صحة النسخ الحالية بالكامل.
- قال تعالى:
$$\text{وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ}$$
(سورة المائدة: 48).
- معنى المُهيمن: أي الحاكم والرقيب والشاهد. فالقرآن هو المرجع الذي يُؤكد أي جزء من الكتب السابقة ما زال صحيحاً، ويُنكر ما دخلها من تغيير أو تحريف. فما وافق القرآن فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل الذي طرأ عليها.
ثالثاً: الخلاصة العقائدية (التمييز الحاسم)
الموقف الإسلامي من التوراة والإنجيل هو موقف دقيق لا يقع في النفي المطلق ولا في التصديق المطلق:
إقرأ أيضا:حفظ القرآن الكريم من التحريف- الإيمان بالأصل (الإنجيل السماوي): نؤمن بأن الله أنزل إنجيلاً صحيحاً كاملاً على عيسى عليه السلام، ونكفر بمن ينكر هذا الأصل.
- عدم التصديق بالفرع (النسخ الموجودة): لا نُصدّق بأن النسخ المتداولة اليوم هي كلام الله كله بلفظه ومعناه، نظراً لورود شهادة القرآن بالتحريف.
- العصمة الكاملة للقرآن: القرآن هو الكتاب الوحيد الذي تكفّل الله بحفظه من أي تحريف أو تبديل، ولذلك فهو المرجع النهائي للعقيدة والتشريع.
الخلاصة النهائية:
القرآن الكريم شهد بصدق النبوة و أصل الإنجيل، ولكنه لم يشهد بصحة كل ما جاء في النسخ المتداولة، بل أثبت وقوع التحريف فيها. لذلك، لا يجوز للمسلم أن يحتج على نفسه بنص من الإنجيل أو التوراة إلا إذا ورد ما يوافقه في القرآن والسنة.
