التاريخ الاسلامي

كيف بنيت الكعبة

 

تاريخ الكعبة المشرفة: رحلة بناء البيت العتيق عبر العصور

 

الكعبة المشرفة، قلب العالم الإسلامي وقبلة المسلمين، ليست مجرد بناء، بل هي رمز للتوحيد يمتد تاريخها لآلاف السنين. مرت هذه البنية المقدسة بأطوار بناء وتجديد عديدة، حفظت لها مكانتها ومهابتها عبر التاريخ.

 

أولاً: البناء الأول (إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام)

 

الرواية الأكثر رسوخًا والمتفق عليها في النصوص الإسلامية هي أن أول من رفع قواعد البيت وشرع في بنائه هو نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام بأمر من الله تعالى.

  • الأساس: يُعتقد أن إبراهيم وإسماعيل قاما بالبناء على أساسات سابقة كانت مطمورة (قواعد البيت التي يُقال إنها وضعتها الملائكة أو النبي آدم عليه السلام).
  • المادة: استخدم إبراهيم وإسماعيل حجارة من الجبال المحيطة بمكة.
  • الدعاء: أثناء البناء، كانا يدعوان الله، كما ورد في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: 127].
  • الحجر الأسود: وضع إبراهيم الحجر الأسود في الركن الشرقي، وهو النقطة التي يبدأ منها الطواف وينتهي عندها.
  • شكل البناء: كان البناء بسيطًا وخاليًا من السقف، وكان يحتوي على فتحتين للدخول والخروج.

 

إقرأ أيضا:سيرة السيدة زينب

ثانياً: إعادة بناء قريش (قبل النبوة)

 

بعد مرور زمن طويل على بناء إبراهيم، وفي حوالي عام 608م، أي قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات، تعرضت الكعبة للانهيار أو الوهن نتيجة سيول جارفة اجتاحت مكة. قررت قريش، التي كانت تتولى شؤون الكعبة، إعادة بنائها، واشترطوا ألا يُدخلوا في بنائها إلا مالاً حلالاً طيباً.

  • السبب: ضعف البناء الأصلي وحاجته للتجديد بعد السيل.
  • المشكلة والتعديل: نظراً لقلة النفقة الطيبة المتاحة، قصرت بهم الأموال عن إكمال البناء على قواعد إبراهيم كاملة، فاضطروا إلى إنقاص جزء من الجهة الشمالية (حوالي ثلاثة أمتار)، وهي المساحة التي تُعرف اليوم بـ “حجر إسماعيل”، لذا فإن حجر إسماعيل هو في الأصل جزء من الكعبة.
  • مشاركة النبي: شارك النبي صلى الله عليه وسلم (قبل البعثة) في هذا البناء، وكانت حكمته في وضع الحجر الأسود في مكانه حلاً لنزاع كاد أن يؤدي إلى حرب بين القبائل، حيث أمر بوضعه على رداء وحملت كل قبيلة طرفاً من الرداء، ثم تولى هو وضعه بيده الشريفة.
  • الشكل الجديد: رفعت قريش باب الكعبة عن مستوى الأرض وجعلته باباً واحداً لدواعي التحصين والتحكم في الدخول، وجعلت لها سقفاً وميزاباً.

 

إقرأ أيضا:ما هو العصر الجاهلي ؟

ثالثاً: التجديدات في العهد الإسلامي (بناء ابن الزبير والحجاج)

 

بعد مجيء الإسلام، شهدت الكعبة تجديدات كبرى على النحو التالي:

  1. بناء عبد الله بن الزبير (64 هـ): في زمن الفتنة بينه وبين يزيد بن معاوية، تضررت الكعبة بسبب القصف بالمنجنيق. أعاد ابن الزبير بناءها على قواعد إبراهيم الأصلية بالكامل، وأدخل حجر إسماعيل فيها، وجعل لها بابين (باب للدخول وباب للخروج) تنفيذاً لما سمعه من خالته عائشة رضي الله عنها، نقلاً عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم.
  2. بناء الحجاج بن يوسف الثقفي (73 هـ): بعد أن سيطر الحجاج على مكة في عهد عبد الملك بن مروان، وبأمر من الخليفة، أعاد هدم جزء من بناء ابن الزبير وأعاده إلى شكل بناء قريش الذي كان عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فأخرج الحجر مرة أخرى، وسد الباب الغربي. هذا البناء هو الشكل الحالي للكعبة الذي نراه اليوم.

 

رابعاً: البناء العثماني (البناء الأخير)

 

البناء الذي نراه اليوم يعود في أساسه إلى بناء الحجاج، لكنه خضع لترميم شامل وكبير في العصر العثماني.

إقرأ أيضا:من هم المماليك
  • السبب: في عام 1039 هـ، اجتاح مكة سيل عارم أدى إلى انهيار جزء كبير من جدران الكعبة.
  • التجديد: أمر السلطان العثماني مراد الرابع بإعادة بناء الجدران على قواعد الحجاج (وبالتالي قريش)، وقد تم هذا البناء في عام 1040 هـ (1630 م).

ومنذ ذلك الحين، لم تتعرض الكعبة لهدم كامل، بل اقتصرت أعمالها على الترميمات الجزئية والدورية لجدرانها وسقفها، حفاظاً على قدسية وشكل البناء الذي استقر عليه المسلمون لأكثر من ثلاثة قرون.

السابق
الأحقاف وإرم ذات العماد: أين سكن قوم عاد؟
التالي
سيرة السيدة زينب