آيات الأحكام

من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا”… دعوة إلهية للربح الأعظم

تُعدّ الآية الكريمة: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 245]، من أعظم آيات القرآن الكريم ترغيباً في البذل والإنفاق، وهي تتكرر في مواضع متعددة من الكتاب العزيز، ما يؤكد مركزيتها في بناء الشخصية المسلمة والمجتمع الإسلامي. إنها ليست مجرد أمر بالصدقة، بل هي دعوة إلهية كريمة تتجاوز مفاهيم التجارة البشرية لتصل إلى ذروة الإيمان واليقين.

 

دلالة “القرض” في سياق الآية

 

إن المتمعن في الآية يتوقف عند تعبير “القرض”، فالله تعالى هو الغني المطلق، الذي لا يحتاج شيئاً، وله خزائن السماوات والأرض. فلماذا يستخدم صيغة “القرض”؟

  1. التشويق والتحنين: استخدم الله هذا الأسلوب الاستفهامي (من ذا الذي…) ليُشوق المؤمن ويُحرك همته وعاطفته. فكأن الله تعالى، وهو الملك الخالق، يتنازل في الخطاب ليُعامل العبد معاملة “المقترض” الذي يحتاج إلى المال، ليُشعر العبد بالحياء والشرف العظيمين.
  2. ضمان الرد: القرض في اللغة يعني أن المال يُدفع على أن يُرد مثله. ولكن “قرض الله” مضاعف ومضمون لا محالة، وهو أعظم رد يمكن أن يحصل عليه المقرض. إنه إشعار للمنفق بأن ما يدفعه ليس هبة ضائعة، بل هو مال مدخر ومستثمر في خزائن لا تضيع.
  3. عظمة المنفعة: المال الذي يقترضه الله هو في حقيقته يُنفَق على عباد الله المحتاجين، وفي مشاريع الخير والجهاد في سبيله. وبما أن الخلق عيال الله، فمن أحسن إليهم فقد أحسن إلى ربهم، فجعل سبحانه الإنفاق على العباد قرضاً له، ليُضاعف أجره.

 

إقرأ أيضا:مقال: وحُرِّمَ الربا… حرب على الظلم وبناء للاقتصاد الأخلاقي

مفهوم “القرض الحسن”

 

لم يكتفِ القرآن بطلب القرض، بل وصفه بـ “حَسَنًا”، وهذا الوصف يضع معايير وشروطاً لقبول هذا البذل:

  1. الإخلاص والنية الصادقة: أن يكون الإنفاق خالصاً لوجه الله تعالى، لا يُراد به رياء ولا سمعة ولا منّة، ولهذا قيل إن “القرض الحسن” هو ما كان بطيب نفس واحتساب.
  2. من كسب طيب وحلال: لا يقبل الله تعالى إلا الطيب، فيجب أن يكون المال المنفَق قد كُسب بالطرق المشروعة.
  3. ألا يتبعه مَنٌّ ولا أذى: أن يحرص المنفق على عدم تذكير الفقير بفضله عليه أو إهانته، لقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾ [البقرة: 264].
  4. النفقة من أحب الأموال: يكتمل جمال القرض بأن يكون من أجود المال وأحبه إلى نفس صاحبه، وعدم قصد الرديء منه، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92].

 

الجزاء الأعظم: التضاعف والأجر الكريم

 

الوعد الإلهي بالجزاء يرفع قيمة هذا القرض إلى ما لا يخطر على بال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.

  1. المضاعفة غير المحدودة: الوعد بـ “أضعاف كثيرة” يتجاوز الحد الأدنى للتضاعف (من سبعة إلى سبعمائة ضعف)، ليفتح الباب أمام كرم الله اللامحدود، حسب إخلاص المنفق وحاجته.
  2. الأجر الكريم: إضافة إلى المضاعفة الكمية، هناك أجر نوعي هو “الأجر الكريم”، وهو دخول الجنة وما فيها من النعيم المقيم، ورضوان الله الذي هو أكبر من كل نعيم.

 

إقرأ أيضا:قراءة الفاتحة في الصلاة

دلالة الختام: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

 

الآية تُختتم بتقرير حقيقتين كونيتين:

  1. ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾: هذا الجزء يرسخ اليقين في قلب المنفق بأن الرزق كله بيد الله، فلا خوف من الفقر بسبب الإنفاق (القبض)، ولا الاغترار بالغنى (البسط). إن القبض والبسط هو سنته في خلقه.
  2. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تذكير بالمآل والحساب، وأن كل ما قدمه العبد من قرض حسن سيجده مدخراً ومضاعفاً عند من لا تضيع عنده الودائع.

في الختام، إن آية “القرض الحسن” هي منهج متكامل للحياة، يُحول الإنفاق من مجرد عمل خيري إلى معاملة مباشرة مع الله تعالى، حيث يصبح المال وسيلة للارتقاء الروحي، ويُثبت أن المسلم الحقيقي هو الذي يتخذ الحياة الدنيا مزرعة لـ “القرض الحسن” الذي لا يخسر أبداً.

إقرأ أيضا:حكم موالاة الكفار
السابق
مقال: وحُرِّمَ الربا… حرب على الظلم وبناء للاقتصاد الأخلاقي
التالي
{فإن خفتم فرجالاً أو ركباناً}