كانت البساطة والزهد (الابتعاد عن ترف الدنيا) سمة أساسية ومقصودة في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. لم تكن هذه البساطة نابعة بالضرورة من فقر مطلق، بل كانت اختياراً إيمانياً يعكس تركيزه على الآخرة، وتجسيدًا لحديثه: “مالي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب قال في ظل شجرة، ثم راح وتركها“.
إليك أبرز صور البساطة في حياته:
1. بساطة المسكن والأثاث
كان مسكن النبي صلى الله عليه وسلم بعيدًا كل البعد عن مظاهر الملك والسلطة، حتى عندما أصبح قائداً لدولة مترامية الأطراف:
- الحجرات النبوية: كانت حجر زوجاته (ومن ضمنها بيته) عبارة عن غرف صغيرة جدًا، جدرانها من الطين، وسقفها من جريد النخل، ولم تكن مغطاة بالكامل.
- الفراش المتواضع: لم يكن له فراش وثير. كان ينام على حصير (بساط منسوج من ألياف النخيل) يترك أثراً واضحاً على جنبه الشريف. وفي إحدى المرات، بكت عمر بن الخطاب عندما رأى حال النبي، فقال له النبي: “أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟“
- الخلو من المتاع: عندما دخل عمر وعثمان وغيرهما على بيته، لم يجدوا فيه إلا قليلًا من المتاع، وبعض القِرَب (أوعية الماء) المعلقة.
إقرأ أيضا:حب أبي بكر للرسول
2. الاكتفاء في المأكل والمشرب
عاش النبي صلى الله عليه وسلم حياة متقشفة في الطعام، وكثيرًا ما كان يكتفي بأقل القليل:
- نادرًا ما شبع: لم يشبع من خبز البُرّ (القمح) لثلاثة أيام متوالية حتى فارق الدنيا، بل كان طعامه الأساسي هو خبز الشعير (الخشن) أو التمر والماء.
- الصيام والجوع: كان يمر الهلال ثم الهلال (شهر كامل) دون أن يُوقَد في بيته نار للطبخ، وكانوا يعيشون على الأسودين (التمر والماء).
- ربط الحجر: في غزوة الخندق، عندما شكا الصحابة من الجوع، كشف كل منهم عن بطنه مربوط عليها حجر واحد، فكشف النبي عن بطنه مربوط عليها حجران.
3. الزهد عن المال والمتاع الدنيوي
كان النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا في التعفف عن جمع المال وتوزيعه الفوري:
- توزيع الغنائم: كان يوزع الغنائم والأموال التي ترد إليه في وقتها، دون أن يحتفظ منها بشيء لنفسه أو لأهله.
- الوفاة بلا ميراث مالي: تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم ودِرْعُه مرهونة عند يهودي مقابل طعام استدانه لأهله. ولم يترك درهمًا ولا دينارًا، بل قال: “لا نُورَث، ما تركناه فهو صدقة“.
- رفض الترفه: كان بإمكانه أن يعيش عيش الملوك بعد أن دانت له الجزيرة العربية، لكنه رفض ذلك، واختار العيش كأحد عامة الناس.
إقرأ أيضا:اسلام حمزة بن عبدالمطلب
4. بساطة الملبس والمظهر
حتى في مظهره، كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار البسيط والمتواضع:
- ترقيع الثوب: كان يرقّع ثوبه بنفسه، ويخدم نفسه في بيته.
- الاعتناء بالنظافة لا المظهر: كان يهتم بأعلى درجات النظافة والطيب (العطر)، لكن ملابسه كانت بسيطة جدًا، بعيدة عن مظاهر الفخامة والتباهي.
كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم دليلاً عمليًا على أن عظمة القائد والرسول لا تُقاس بما يملكه من متاع، بل بما يحمله من مبدأ وعقيدة.
