آيات الأحكام

اللغو في اليمين

مقال: اللغو في اليمين – رخصة التيسير في الشريعة الإسلامية

 

مقدمة

 

القسم أو اليمين هو تعظيم للمحلوف به، ولا يجوز شرعاً الحلف إلا بالله تعالى أو باسم من أسمائه وصفة من صفاته. وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتنظيم دقيق لأحكام الأيمان، مفرقة بين أنواعها حسب القصد والتعمد. ومن سعة رحمة الله وتيسيره على عباده، أن أسقط المؤاخذة عن نوع من الأيمان يجري على ألسنة الناس دون قصد، وهو ما يعرف بـ “لغو اليمين”.

وقد نصت الآية الكريمة على هذا التيسير الإلهي:

﴿ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [سورة البقرة: 225]


 

أولاً: مفهوم اللغو في اليمين وأنواعه

 

“اللغو” في اللغة هو ما لا يُعتدُّ به من الكلام، أو ما يُطرح ولا يُعتبر. وفي اصطلاح الفقهاء، يمين اللغو هي اليمين التي لا ينعقد عليها قلب الحالف، ولا يقصد بها حقيقة الحلف، وهي على ثلاثة أنواع رئيسية:

 

إقرأ أيضا:ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل

1. ما يجري على اللسان بغير قصد:

 

هذا هو النوع الأشهر والذي فسّرت به أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لغو اليمين، حيث قالت: “هو كلام الرجل في بيته: لا والله، وبلى والله“.

وهذا يشمل الأيمان التي تخرج من باب العادة أو التأكيد في سياق الحديث العادي، دون أن يقصد بها المتكلم اليمين حقيقةً. فإذا قال أحدهم لضيفه: “والله لتجلس”، أو “لا والله شكرًا”، مجرّد تأكيد للمجاملة أو النفي، فذلك لغو لا مؤاخذة فيه.

 

2. الحلف على شيء ماضٍ معتقداً صدقه فبان خلافه:

 

وهو أن يحلف الإنسان على أمر وقع في الماضي ظنًا منه أنه صادق، ثم يتبيّن له أن الأمر بخلاف ما حلف عليه. ومثاله أن يرى شخصًا من بعيد فيقول: “والله إن هذا لفلان”، وهو يعتقد صدق ما قال، ثم يكتشف أنه ليس هو. فالحالف لم يتعمد الكذب، بل حلف على ظن، فيكون لغوًا عند جمهور العلماء.

 

3. يمين المكرَه والناسِي:

 

يلحق بلغو اليمين ما يحلفه الإنسان وهو مُكره (مُجبر على الحلف)، أو الحالف على أمر ما ثم نسِيَ وحنث، فالنيّة والقصد هنا مُنتفيان، فلا تترتب عليه كفارة.

إقرأ أيضا:ويسألونك عن المحيض

 

ثانياً: حكم لغو اليمين – لا كفارة ولا إثم

 

الحكم الشرعي للغو اليمين صريح وواضح، كما دلت عليه الآية الكريمة: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾.

  • لا إثم ولا مؤاخذة: لا يأثم الحالف على هذا النوع من الأيمان؛ لأن قلبه لم يقصد عقد اليمين، والنية ركن أساسي في التكليف.
  • لا كفارة: لا تجب كفارة يمين على من حنث في لغو اليمين بإجماع أهل العلم؛ لأن الكفارة مرتبطة باليمين المنعقدة التي عقد عليها القلب.

 

ثالثاً: المقابلة بين اليمين اللغو واليمين المنعقدة

 

تميز الآية بين لغو اليمين وغيره، لترسيخ قاعدة فقهية عظيمة: “ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم”. وهذا يشير إلى نوعين آخرين من الأيمان:

النوع التعريف الحكم الشرعي
اليمين المنعقدة أن يحلف الإنسان على أمر مستقبلي قاصدًا اليمين بقلبه، كأن يقول: “والله لأفعلن كذا”، ثم يحنث ويخالف ما حلف عليه. تجب فيها الكفارة (إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام).
اليمين الغموس أن يحلف على أمر ماضٍ وهو متعمد للكذب؛ ليقتطع به حق مسلم أو ليخدع به أحدًا. إثمها عظيم جدًا وهي من الكبائر. لا كفارة فيها عند الجمهور، بل تتطلب توبة نصوحًا، لأنها أعظم من أن تكفر.

 

إقرأ أيضا:وما هم بمؤمنين: دراسة شاملة في ضوء القرآن والسنة

خاتمة: دعوة لحفظ الأيمان

 

مع أن الإسلام رخّص في لغو اليمين، إلا أنه حث على التحفظ في استخدام الأيمان مطلقًا. ويؤكد هذا قوله تعالى في موضع آخر: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [سورة المائدة: 89].

و”حفظ الأيمان” يكون بأمرين:

  1. عدم الإكثار من الحلف: صيانة لاسم الله تعالى من أن يُبتذل في كل صغيرة وكبيرة، وعدم جعله ﴿عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [سورة البقرة: 224].
  2. الوفاء باليمين المنعقدة: إذا عُقدت اليمين، وجب الوفاء بها، وإن حنث الإنسان، وجب عليه الإسراع في الكفارة.

إن تشريع لغو اليمين يُظهر جانبًا عظيمًا من رفق الشريعة ورحمتها، حيث لا تؤاخذ العبد على ما يجري به لسانه بغير قصد، لكنها في الوقت ذاته توجّهه نحو صيانة الحلف وعظمة اسم الله تعالى.

صورة الملف الشخصي
السابق
أحكام الطلاق الرجعي
التالي
ويسألونك عن المحيض