إقرأ أيضا
مقال: ويسألونك عن المحيض – التشريع الإلهي والحكمة الطبية
مقدمة
جاء التشريع الإسلامي ليضع نظامًا متوازنًا للحياة البشرية، رافعًا عن الإنسان الحرج، ومحافظًا على صحته وطهارته. ومن المسائل التي سأل عنها الصحابة الكرام ونزل فيها حكم صريح، مسألة الحيض (المحيض)، حيث كانت العرب قبل الإسلام تتخذ مواقف متباينة، فبعضهم كان يعتزل المرأة اعتزالًا تامًا كما يفعل اليهود، وبعضهم كان يستمر في مباشرتها كالنصارى.
لذلك، جاء السؤال من الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزل قول الله تعالى في سورة البقرة:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة: 222]
أولاً: المحيض “أذى” – الحكمة والتعليل
بيّنت الآية الكريمة حكمة التحريم في كلمة واحدة جامعة: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾.
إقرأ أيضا:لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى- الأذى المعنوي والشرعي: دم الحيض دم نجس، تترتب عليه أحكام شرعية تمنع المرأة من الصلاة والصيام وبعض العبادات. وهو يمثل فترة من الضعف البدني للمرأة، يستدعي الراحة والتخفف من الأعباء.
- الأذى الطبي والصحي (الإعجاز العلمي): أثبت الطب الحديث أن الجماع في فترة الحيض يمثل خطرًا صحيًا على الزوجين معًا.
- على المرأة: تكون الأوعية الدموية في الرحم متفتحة، والجماع قد يسبب التهابًا شديدًا في الجهاز التناسلي، وقد يمتد إلى قناة مجرى البول والكلى، كما أن الرحم يكون أكثر عرضة لنمو الميكروبات.
- على الرجل: قد يتعرض لبعض الأمراض الناتجة عن ملامسة الدم الملوث.
وبذلك، يكون الحكم الإلهي باعتزال النساء في المحيض هو تشريع وقائي وصحي بامتياز.
ثانياً: فاعتزلوا النساء في المحيض – حدود الاعتزال
أمر الله تعالى باعتزال النساء في المحيض، والمقصود به عند جمهور أهل العلم هو اجتناب الجماع في الفرج (محل الحيض) دون غيره من الاستمتاعات.
ولما نزلت الآية، سأل الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم عن حدود هذا الاعتزال، فأرشد إلى المنهج الوسط الذي يميز الإسلام عن غيره، فقال:
إقرأ أيضا:الطلاق قبل الدخول“اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ” (رواه مسلم).
بناءً على هذا، تكون الأحكام كما يلي:
| الحكم | الإجراء الشرعي | الدليل/الإيضاح |
| الوطء (الجماع في الفرج) | حرام إجماعًا | وهو المعنى المقصود بالاعتزال في الآية، وفاعله آثم تجب عليه التوبة والكفارة عند بعض الفقهاء. |
| الاستمتاع بما فوق الإزار | جائز | يجوز للرجل الاستمتاع ببدن زوجته الحائض ومباشرتها فيما عدا الفرج، وهو مذهب جمهور العلماء. |
| المؤاكلة والمساكنة | جائزة | يجوز مؤاكلة الحائض ومجالستها والنوم معها في فراش واحد، خلافًا لما كان يفعله اليهود، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأكل مع عائشة وهي حائض. |
ثالثاً: أحكام تمنع منها الحائض
إقرأ أيضا:قراءة الفاتحة في الصلاة
بالإضافة إلى تحريم الجماع، يترتب على الحيض أحكام شرعية تتعلق بعبادات المرأة، وهي:
- الصلاة: يحرم عليها أداء الصلاة فرضًا أو نفلًا، وتُسقط عنها، أي لا يجب عليها قضاء الصلاة بعد الطهر.
- الصوم: يحرم عليها الصيام، ويسقط عنها أداؤه، ولكنه يجب عليها قضاء صيام رمضان بعد الطهر.
- الطواف بالكعبة: يحرم عليها الطواف بالبيت الحرام حتى تطهر، أما باقي مناسك الحج والعمرة فلا حرج عليها فيها.
- قراءة القرآن ومس المصحف: يحرم عليها مس المصحف، أما قراءة القرآن عن ظهر قلب ففيها خلاف بين الفقهاء، والأرجح أنه يجوز للحاجة.
رابعاً: الطهر والعودة إلى المباح
حددت الآية غاية تحريم الجماع بشرطين أساسيين:
- انقطاع الدم (حتى يطهرن): وهو شرط انتهاء فترة الأذى بذهاب الدم.
- الاغتسال (فإذا تطهرن): وهو شرط الطهارة من الحدث الأكبر، ولا يحل الجماع بمجرد انقطاع الدم قبل الغسل، وهو ما أجمع عليه الفقهاء.
فإذا انقطع الدم واغتسلت المرأة، حُلّ لزوجها أن يأتيها ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي في الموضع الذي أباحه وهو القبل، دون الدبر.
خامساً: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين
تختتم الآية بهذه الجملة العظيمة التي تحمل رسالة أخلاقية وروحية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾.
وهي تعليل للحكم ودلالة على المغزى الأعمق للتشريع:
- التوابين: هم الذين يرجعون إلى الله إذا وقعوا في معصية (كجماع الحائض سهوًا أو عمدًا)، دليلًا على عظمة الإسلام في فتح باب التوبة.
- المتطهرين: وهم الذين يسعون إلى الطهارة الحسية (من النجاسات والأقذار كالدم) والمعنوية (من الذنوب والآثام)، وفيه إشارة إلى أن الابتعاد عن الجماع في فترة الحيض هو نوع من أنواع الطهارة المأمور بها.
وبهذا التشريع، حقق الإسلام التوازن بين متطلبات الفطرة البشرية وبين الحفاظ على الطهارة والصحة، مقدمًا للبشرية نظامًا كاملاً وشاملاً.
