المقدمة
في القرون الأولى للمسيحية، شهد الشرق المسيحي انقسامات لاهوتية وسياسية أدت إلى ظهور فرق عديدة، منها الفرقة الملكانية (أو الملكيون). كانت هذه الجماعة مرتبطة بالسلطة البيزنطية، وتميزت بمواقفها العقائدية، خاصة في الجدالات حول طبيعة المسيح. هذا المقال يستعرض تاريخ الملكانيين، معتقداتهم، وتأثيرهم على المسيحية الشرقية.
1. أصل التسمية ودلالتها
-
الملكانيون (باللاتينية: Melkites، من السريانية: ܡܠܟܝܐ “ملكايا”) تعني حرفيًا “الملكيون” أو “أتباع الملك”.
-
أُطلقت هذه التسمية عليهم من قبل خصومهم (خاصة اليعاقبة والنساطرة) لأنهم كانوا موالين للإمبراطور البيزنطي وإلى مجمع خلقيدونية (451 م).
-
استُخدم المصطلح في البداية بشكل ازدرائي، لكنه تحوّل لاحقًا إلى اسم رسمي للكنائس التابعة للتقليد البيزنطي في الشرق الأوسط.
2. الخلفية التاريخية والسياسية
ظهر الملكانيون في سياق الانقسامات الكريستولوجية (عقيدة طبيعة المسيح) التي عصفت بالمسيحية في القرن الخامس، خاصة بعد:
-
مجمع خلقيدونية (451 م): الذي أكد على أن للمسيح طبيعتين (إلهية وبشرية) في أقنوم واحد.
-
رفضت كنائس مثل اليعاقبة (السريان الأرثوذكس) والنساطرة هذا المجمع، بينما قبلته الكنيسة البيزنطية.
إقرأ أيضا:الكتب اليهودية 2 – التلمود -
الملكانيون كانوا المسيحيين العرب والسريان واليونان الذين تبعوا العقيدة الخلقيدونية وولائهم كان للبطريركية الأنطاكية الخلقيدونية التابعة للقسطنطينية.
3. المعتقدات الدينية
تميز الملكانيون بالآتي:
-
القبول بمجمع خلقيدونية: أي الإيمان بأن للمسيح طبيعتين (“إلهية كاملة وإنسانية كاملة”) دون انفصال أو اختلاط.
-
التبعية للكنيسة البيزنطية: في الطقوس والعقيدة، رغم أنهم كانوا يتكلمون العربية والسريانية.
-
الليتورجيا (الطقوس): استخدموا الطقس البيزنطي مع بعض التأثيرات السريانية والأنطاكية.
4. انتشارهم الجغرافي
تركز وجود الملكانيين في:
-
سوريا وفلسطين (خاصة القدس وأنطاكية).
-
مصر: حيث عُرفوا هناك باسم “الروم الأرثوذكس” وتميزوا عن الأقباط.
-
لبنان: حيث لا تزال كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك موجودة حتى اليوم.
5. تطورهم وانقسامات لاحقة
-
القرن السابع: بعد الفتح الإسلامي، حافظ الملكانيون على وجودهم كطائفة مسيحية تحت الحكم الإسلامي.
إقرأ أيضا:امثلة على وقوع التحريف في التوراة _ الاختلاف والتباين بين النسخ في المعلومات المدونة -
القرن 18: انقسم الملكانيون إلى:
-
ملكانيون أرثوذكس: ظلوا على اتحادهم مع الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية.
-
ملكانيون كاثوليك: انضموا إلى روما وشكلوا كنيسة الروم الملكيين الكاثوليك، التي لا تزال موجودة حتى اليوم.
-
6. إرث الملكانيين اليوم
-
الروم الملكيون الكاثوليك: هم أكبر مجموعة تحمل هذا الاسم اليوم، ويتبعون البابا في روما مع الحفاظ على الطقوس الشرقية.
-
الروم الأرثوذكس: في سوريا ولبنان، بعضهم من أحفاد الملكانيين التاريخيين.
-
الثقافة: ساهم الملكانيون في الحفاظ على التراث المسيحي الشرقي واللغة العربية في الطقوس الدينية.
إقرأ أيضا:مراحل الصراع الديني _ نشأة البابوية
الخاتمة
الملكانيون يمثلون حلقة مهمة في تاريخ المسيحية الشرقية، حيث يجسدون التفاعل بين العقيدة والسلطة السياسية، وبين الثقافات اليونانية والسريانية والعربية. رغم انقساماتهم اللاحقة، إلا أن إرثهم لا يزال حيًا في الكنائس الشرقية الكاثوليكية والأرثوذكسية.
مراجع مقترحة
-
“تاريخ الكنيسة الشرقية” – الأب جون ميوندورف.
-
“المسيحيون العرب وقضايا التاريخ” – د. أسد رستم.
-
وثائق مجمع خلقيدونية والمراسلات البيزنطية.
