مقال: جهاد سعد بن معاذ.. الرجل الذي اهتز لموته عرش الرحمن
سعد بن معاذ الأوسي، سيد الأوس، وأحد كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين نالوا منزلة لم ينلها غيرهم. لم تكن حياته في الإسلام طويلة، إذ عاش فيه سبع سنوات فقط، لكنها كانت سيرة مملوءة بالجهاد والبذل في سبيل الله، حتى صار بحق “رجل المواقف” التي تُسطَّر بماء الذهب، وتُتوَّج بأعظم الفضائل الربانية والنبوية.
إن جهاد سعد بن معاذ رضي الله عنه لم يكن مجرد مشاركة في المعارك، بل كان جهاد قيادة وتضحية وحكمة قضائية، ختمها بطلب الشهادة فنالها.
1. جهاد الدعوة والقيادة قبل المعركة
كان سعد بن معاذ ذا فضل عظيم في نشر الإسلام في المدينة. فعندما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى يثرب داعياً، أسلم سعد على يديه. وما إن دخل الإيمان قلبه حتى قام بجهاد عظيم في الدعوة، إذ وقف على قومه بني عبد الأشهل، وقال لهم: “يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟” قالوا: “سيدنا فضلاً، وأيمننا نقيبة”. قال: “فإن كلامكم علي حرام، رجالكم ونساؤكم، حتى تؤمنوا بالله ورسوله.” فما بقي في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا أسلموا. بفضل قيادته وحكمته، كان بنو عبد الأشهل أول دار في يثرب تُسلم بأكملها.
إقرأ أيضا:وفاة عبدالرحمن بن عوف
2. المواقف البطولية في الغزوات
شهد سعد بن معاذ كل المشاهد الكبرى مع النبي صلى الله عليه وسلم، من بدر وأحد والخندق، وكان في كل منها فارساً مقداماً وسنداً للنبي:
أ. موقفه في غزوة بدر: إعلان الولاء المطلق
عندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة قبل معركة بدر، وكان يريد رأي الأنصار لمعرفة مدى التزامهم القتالي خارج المدينة، قام سعد بن معاذ قائلاً:
“يا رسول الله، آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدواً غداً، إنا لصُبُر في الحرب، صُدُق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِر بنا على بركة الله”.
هذا الموقف الصادق من زعيم الأنصار كان بمثابة إعلان تاريخي لتحالف المهاجرين والأنصار في السراء والضراء، وطمأن قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ب. موقفه في غزوة أحد
ثبت سعد في غزوة أحد مع من ثبت حول النبي صلى الله عليه وسلم، يذود عنه في اللحظات العصيبة التي تفرَّق فيها كثير من المسلمين، محافظاً على سياج الدفاع عن الرسالة وحاملها.
إقرأ أيضا:متى توفي أنس بن مالك
ج. غزوة الخندق: الشهادة المنتظرة
كانت غزوة الخندق (الأحزاب) هي آخر معارك سعد بن معاذ. هناك، أصيب رضي الله عنه بسهم قطَع وريد الأكحل في ذراعه. ومع شدة الجرح، دعا سعد ربه بدعاء عظيم:
“اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم فيك من قوم آذوا نبيك وكذبوه وأخرجوه. اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها (أي افتحها) واجعل موتتي فيها”.
واستجاب الله دعاءه، فأبقاه الله ليشهد حدثاً عظيماً قبل موته، وهو غزوة بني قريظة.
3. جهاد القضاء وحكم الله
بعد انتهاء غزوة الخندق، وغدر بني قريظة ونقضهم للعهود، حاصرهم المسلمون حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، حيث كان حليفهم في الجاهلية. وحُمل سعد إلى مكان الحكم متعباً من جرحه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “قوموا إلى سيدكم”.
عندما طلبوا منه الحكم، حكم سعد بحكم عادل يوافق حكم الله تعالى من فوق سبع سموات، وهو: أن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، وتقسّم أموالهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات”.
4. الخاتمة المباركة: اهتزاز العرش
إقرأ أيضا:ما عاصمة الدولة الاموية
لم يمضِ وقت طويل بعد غزوة بني قريظة حتى انتقض جرح سعد رضي الله عنه. وعند وفاته، كان المشهد عظيماً لا مثيل له، حيث دلّت الأحاديث الصحيحة على فضله ومكانته التي بلغت عنان السماء:
- اهتزاز العرش: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”، فرحاً بقدوم روحه الكريمة.
- تشييع الملائكة: شهد الصحابة لجنازته خِفّة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن له حملة غيركم، لقد استبشرت الملائكة بروح سعد”.
- مناديله في الجنة: قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حلّة ديباج أهديت له: “لمناديل سعد في الجنة خير منها”.
وبذلك، ختم سعد بن معاذ حياته القصيرة في الدنيا بأجلّ الأعمال، ومضى شهيداً بعد أن أقرّت عينه بانتهاء خطر الغدر على الإسلام، ليُذكَر اسمه في صفوف القادة والشهداء، الرجل الذي كان في الأنصار كالصديق في المهاجرين.
