شرح احاديث نبوية

شرح حديث “يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام”

شرح حديث حوت العنبر

الحديث الشريف الذي يبدأ بـ “يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام” هو حديث نبوي ورد في صحيح مسلم، ويُعد من الأحاديث التي تصف مشاهد يوم القيامة وأهوالها، مما يبرز عظمة ذلك اليوم وشدة عذاب جهنم. في هذا الشرح الشامل، سنتناول نص الحديث، سياقه، معانيه، وأبرز الدروس المستفادة منه، مع الالتزام بأسلوب رسمي ومنظم يراعي الدقة والوضوح.

نص الحديث

روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

“يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها” (صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، رقم 2842).

سياق الحديث

يأتي هذا الحديث في سياق وصف أهوال يوم القيامة، وهو اليوم الذي يُحاسب فيه الخلق ويُجازون بأعمالهم. النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث أصحابه على الاستعداد لهذا اليوم العظيم من خلال ذكر مشاهد تُبرز هول الموقف، مما يدفع المؤمن إلى تقوى الله والعمل الصالح. جهنم، كما ورد في القرآن والسنة، هي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين والعصاة، وهذا الحديث يُسلط الضوء على عظمتها وشدة هولها.

شرح مفردات الحديث

لتوضيح معنى الحديث، نستعرض المفردات الأساسية:

إقرأ أيضا:شرح حديث الظلم ظلمات
  • “يؤتى بجهنم”: أي تُحضَر جهنم يوم القيامة إلى مكان الحساب. يُشير هذا إلى تجسيد جهنم كما ورد في القرآن: “وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ” (سورة الفجر: 23). بعض العلماء، مثل النووي، قالوا إن إحضارها قد يكون بمعنى كشفها أو تقريبها للخلق ليروا هولها.
  • “يومئذ”: إشارة إلى يوم القيامة، اليوم العظيم الذي يُحشر فيه الناس.
  • “لها سبعون ألف زمام”: الزمام هو الحبل الذي يُستخدم لجر شيء أو التحكم به. العدد “سبعون ألف” يُستخدم في اللغة العربية للدلالة على الكثرة وليس بالضرورة عدداً محدداً، مما يُبرز عظمة جهنم وحجمها الهائل.
  • “مع كل زمام سبعون ألف ملك”: أي أن كل حبل من هذه الأحبال يجره عدد هائل من الملائكة الأقوياء، مما يعكس ضخامة جهنم التي تحتاج إلى هذا العدد الكبير من الملائكة لجرها.

إذا حسبنا العدد الإجمالي، فإن سبعين ألف زمام مضروبة في سبعين ألف ملك يعني أن هناك 4.9 مليار ملك يجرون جهنم، وهذا يُظهر عظمة الخلق الإلهي وشدة الموقف.

المعاني والدروس المستفادة

1. عظمة يوم القيامة

الحديث يُبرز هول يوم القيامة، حيث إن مجرد إحضار جهنم يتطلب هذا العدد الهائل من الملائكة. هذا يدعو المؤمن إلى الخوف من الله والاستعداد لهذا اليوم بالعمل الصالح.

إقرأ أيضا:شرح حديث “يُحشر الكافر على وجهه”

2. ضخامة جهنم

وصف جهنم بهذا الحجم الهائل يُظهر شدة عذابها وقوتها، مما يحث المسلم على تجنب الأعمال التي تؤدي إلى دخولها، مثل الكفر والمعاصي الكبيرة.

3. قوة الملائكة وطاعتهم

الملائكة الموكلون بجر جهنم يُظهرون قوتهم وطاعتهم المطلقة لله تعالى. هذا يُذكّر المسلم بضرورة الطاعة والامتثال لأوامر الله.

4. التحذير من العذاب

الحديث بمثابة تحذير للمؤمنين من مغبة المعاصي. قال الله تعالى: “يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا” (سورة النبأ: 40). إحضار جهنم بهذا الشكل يُعزز الخوف الرباني في قلب المؤمن.

5. الدعوة إلى التوبة

من خلال وصف هول جهنم، يُحث المسلم على التوبة والإنابة إلى الله قبل فوات الأوان. قال تعالى: “وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (سورة النور: 31).

آراء العلماء في شرح الحديث

  • الإمام النووي: في شرحه لصحيح مسلم، أشار إلى أن إحضار جهنم قد يكون بمعنى إظهارها للخلق، أو نقلها من مكانها إلى مكان الحساب، وأن العدد “سبعون ألف” يدل على الكثرة وليس بالضرورة عدداً دقيقاً.
  • ابن حجر العسقلاني: في “فتح الباري”، ذكر أن هذا الحديث يُبرز عظمة خلق الله وقدرته، وأن وصف جهنم بهذا الحجم يهدف إلى ردع العصاة وتحذيرهم.
  • القرطبي: في تفسيره لآية “وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ”، قال إن جهنم تُحضَر لتكون مرئية للخلق، فيزداد خوف الكافرين وطمأنينة المؤمنين برحمة الله.

كيفية الاستفادة من الحديث في الحياة اليومية

  1. تعزيز تقوى الله: التفكر في هول يوم القيامة يدفع المسلم إلى تجنب المعاصي والإكثار من الأعمال الصالحة.
  2. المداومة على الاستغفار: يُنصح بقراءة أدعية التحصين، مثل: “أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق”، لحماية النفس من العذاب.
  3. تذكر الموت والآخرة: التفكر في مشاهد يوم القيامة يُجدد النية ويُحيي الإيمان في القلب.
  4. الدعوة إلى الخير: يمكن للمسلم أن ينقل هذه الأحاديث للآخرين لتذكيرهم بأهمية الاستعداد للآخرة.

التوفيق بين الحديث والعقل

قد يتساءل البعض عن كيفية تصور هذا العدد الهائل من الملائكة أو ضخامة جهنم. يجيب العلماء أن الله تعالى قادر على كل شيء، وأن هذه الأوصاف تهدف إلى بث الرهبة في القلوب وإبراز عظمة الخالق. كما أن أمور الغيب مثل يوم القيامة لا تُقاس بمقاييس الدنيا، بل تُؤمن بها كما وردت.

إقرأ أيضا:شرح حديث الكلمة الطيبة صدقة

خاتمة

حديث “يؤتى بجهنم يومئذ” هو تذكير قوي بعظمة يوم القيامة وهول جهنم، مما يدعو المسلم إلى التوبة والعمل الصالح. من خلال فهم هذا الحديث وتطبيق دروسه، يستطيع المؤمن أن يعيش حياة مليئة بالتقوى والخوف من الله، مع اليقين برحمته الواسعة. يُنصح بالرجوع إلى المصادر الموثوقة مثل كتب التفسير والحديث، كـ”صحيح البخاري” و”صحيح مسلم”، لتعميق الفهم، والإكثار من الدعاء بأن ينجينا الله من عذاب جهنم ويدخلنا جناته.

السابق
شرح حديث “ويضع الجزية”
التالي
شرح حديث “ويل للعرب”