شبهات متنوعة

لماذا خلقنا الله؟ ولماذا لم يأخذ رأينا قبل أن يخلقنا؟

 

لماذا خلقنا الله؟ ولماذا لم يأخذ رأينا قبل أن يخلقنا؟

 

هذا السؤال، بشقيه، هو من أعمق الأسئلة الفلسفية والوجودية التي تخطر على قلب الإنسان، وهو دليل على فطرة البحث عن المعنى والغاية. والإجابة عليه تعود بنا إلى أصول الإيمان ومفاهيم الربوبية والألوهية.


 

أولاً: لماذا خلقنا الله؟ (الغاية من الوجود)

 

الإسلام يقدم إجابة واضحة ومباشرة عن هذا السؤال، تتلخص في مفهوم العبادة والابتلاء.

 

1. الغاية الكبرى: العبادة والتعريف بالكمال الإلهي

 

الغاية الأساسية لخلق الإنس والجن حددها الله تعالى بقوله:

(الذاريات: 56)

هذه العبادة لا تعني حاجة من الله إلينا، فهو الغني الحميد الذي لا تزيده عبادتنا شيئًا ولا تنقصه معصيتنا شيئًا. بل هي لمصلحتنا نحن، لأن العبادة هي:

  • كمال الإنسان: العبادة هي الغذاء الروحي الذي يصلح النفس ويسمو بها.
  • تحقيق صفات الله: الله الخالق يستحق أن يُعبد، والرازق يستحق أن يُشكر، والرحيم يستحق أن يُرجى، فكان الخلق ميدانًا لظهور كمال أسمائه وصفاته سبحانه.
  • تشريف للإنسان: منحنا الله تكريمًا واصطفاءً لحمل أمانة الخلافة، وهي أعلى مرتبة يمكن أن يصل إليها المخلوق.

 

إقرأ أيضا:لماذا يأتي لفظ الجلالة “الله” بصيغة المذكر؟

2. الحكمة العملية: الابتلاء والارتقاء

 

الوجود الإنساني ليس نهاية، بل هو مرحلة اختبار وارتقاء. الدنيا هي دار عمل وامتحان، وليست دار جزاء أو خلود.

(الملك: 2)

  • الابتلاء: خلقنا الله في هذه الحياة المعقدة المليئة بالتحديات والخيارات (الخير والشر) لنختار بإرادتنا طريق الحق.
  • التفاضل والجزاء: لو كنا جميعًا كالملائكة نطيع طاعة جبرية، لانتفت الحكمة من الجزاء بالجنة والنار. ولكن بوجود العقل والحرية والقدرة على الاختيار، أصبح هناك أساس للعدل الإلهي في مجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.

باختصار: الله خلقنا من أجلنا، لنهتدي ونرتقي ونصل إلى النلود في النعيم المقيم (الجنة)، وجعل العبادة هي المسار لتحقيق هذه الغاية السامية.


 

ثانياً: لماذا لم يأخذ رأينا قبل أن يخلقنا؟

 

هذا الشق من السؤال ينطلق من مفاهيم العدل والحقوق في السياق البشري، ولكن عند تطبيقه على الخالق والمخلوق، يظهر التباين بين المقامين:

 

1. الوجود ليس حقاً، بل منحة إلهية

 

الاعتراض بأن الله لم يأخذ رأينا قبل الخلق يغفل حقيقة أساسية: أننا لم نكن شيئًا موجودًا لنملك رأيًا!

إقرأ أيضا:الديانات كثيرة والعمر قصير، فهل يكفي العمر لفحصها؟

(الإنسان: 1)

  • منزلة العدم: قبل الخلق كنا في العدم المطلق. فكيف يمكن لـ “لا شيء” أن يمتلك إرادة أو رأيًا ليُسأل عنه؟
  • فضل الإيجاد: وجودنا بحد ذاته هو تفضل ورحمة وخير محض من الله. إن الانتقال من العدم إلى الوجود، مع ما فيه من قدرة على العلم والمعرفة واللذة، هو أفضلية مطلقة.

 

2. الخالق لا يُسأل عن فعله (مقام الربوبية)

 

الله تعالى هو الخالق المالك المدبّر، الذي لا يحكمه أحد، ولا يشاركه أحد في ملكه أو فعله.

(الأنبياء: 23)

  • كمال الحكمة والعدل: كل فعل يصدر عن الله هو حكمة خالصة وعدل محض، حتى وإن لم يدرك العقل البشري المحدود سرّه كله. التسليم لله يكون لمعرفتنا بكماله المطلق، وأن أفعاله كلها خير وحكمة، لا لأنه مُجبر على تبرير أفعاله لنا.
  • الإلهية والعبودية: الفرق بين مقام الإلهية ومقام العبودية عظيم. ليس للمخلوق الحقير أن يعترض أو يقترح على الخالق العظيم، بل وظيفته هي الامتثال والطاعة، إدراكًا منه بأن ما اختاره له ربه هو الخير.

 

3. ما حدث قبل الخلق: التكليف بالأمانة

 

إقرأ أيضا:كيف ننتقد الكافر المتقدم علميا؟

بعض العلماء يربط هذا السؤال بمسألة الأمانة التي عُرضت على المخلوقات.

(الأحزاب: 72)

يفسر بعض العلماء “الأمانة” هنا بالتكليف والمسؤولية وحرية الاختيار. فعندما قَبِل الإنسان حمل الأمانة، كان ذلك إعلانًا للاستعداد لخوض هذا الاختبار. فالمسألة لم تكن مجرد رأي، بل هي قبول للمسؤولية المصيرية التي ستبنى عليها حياته الأبدية.


 

الخاتمة

 

إن سؤال “لماذا خلقنا الله؟” يُجاب عليه بـ “لعبادته ولنحيا حياة كريمة نهايتها النعيم”. أما الاعتراض على عدم أخذ الرأي قبل الخلق، فجوابه يكمن في إدراك منزلة الخالق ومنزلة المخلوق. الله أعطانا الوجود، وهو أعظم هدية، ومنحنا العقل والإرادة، ثم وجّهنا إلى الطريق الأقوم. فبدلاً من إضاعة الوقت في التساؤل عن “ما قبل الوجود”، من الأحرى بنا أن نركز على “كيف نعيش” هذه الهدية العظيمة، ونُحسن العمل فيها لنفوز بالسعادة الأبدية.

السابق
كيف يغضب الله وهو يعلم الغيب؟
التالي
لماذا يعبأ الله بنا مع وجود هذا الكون العظيم؟