شبهات متنوعة

لماذا يعبأ الله بنا مع وجود هذا الكون العظيم؟

هذا تساؤل عميق جداً يلامس جوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق، وهو سؤال فكري وإيماني في آن واحد. الإجابة تكمن في ثلاثة أركان أساسية تتعلق بـ صفات الله، وحقيقة الإنسان، والهدف من الخلق.


 

1. صفة الألوهية المطلقة (الكمال الإلهي)

 

إن عظمة الكون بكل مجرّاته وسماواته لا تُقارن بعظمة الخالق جل وعلا. لو كان اهتمام الله بك محدوداً بحدود عظمة الكون، لكان الخالق محدوداً بعظمة خلقه، وهذا نقص لا يليق به.

  • الله هو الغني المطلق: الله غني عن العالمين، لا يزيد ملكه بطاعتنا ولا ينقص بمعصيتنا. اهتمامه بنا ليس نابعاً من حاجته إلينا أو للكون، بل من كمال صفاته ورحمته.
  • الرحمة والمحبة صفات ذاتية: رحمة الله ليست شيئاً يكتسبه أو يمنعه بسبب عظمة الكون. بل هي صفة دائمة وكاملة. اهتمامه بـ “ذرَّة” مثل الإنسان وسط هذا الكون هو دليل على عظمة رحمته التي وسعت كل شيء، وليست دليلاً على صغر الكون في عينيه.
  • عظمة الخلق لا تحدُّ الخالق: لو أن ملكاً عظيماً يملك ممالك شاسعة، ثم اهتم بشؤون طفل صغير في ركن من مملكته، لكان هذا دليل كرمه وسعة سلطانه، وليس دليل صغر المملكة. ولله المثل الأعلى في الكمال والجلال.

 

إقرأ أيضا:لماذا خلقنا الله؟ ولماذا لم يأخذ رأينا قبل أن يخلقنا؟

2. حقيقة الإنسان: التكريم والمهمة

 

صحيح أن حجم الإنسان المادي ضئيل مقارنة بالكون، لكن قيمته لدى خالقه ليست مادية، بل قيمة اعتبارية ووظيفية:

  • التكريم الإلهي: كرم الله الإنسان تفضيلاً على كثير من المخلوقات. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (الإسراء: 70). هذا التكريم ليس للجسد بل للروح والعقل والقدرة على الاختيار.
  • المهمة الكبرى (الخلافة): الإنسان هو خليفة الله في الأرض والمكلَّف بتحقيق العبودية لله وإعمار الأرض. هذه المهمة هي الأهم في النظام الأرضي. فالكون العظيم سُخِّر لهذا الإنسان، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ (الجاثية: 13).
  • مركز الابتلاء: الإنسان هو المخلوق الذي اختار حمل الأمانة، وبسبب هذه الأمانة أصبح مركز الاختبار الإلهي. لذا، فإن تفاصيل حياته (أفراحه، أحزانه، دعواته، توبته) هي محور العبادة التي خلق من أجلها.

 

3. السبب الجوهري: إرادة الاختبار والعبودية

 

اهتمام الله بتفاصيل حياة الإنسان فردًا فردًا نابع من الهدف الأساسي لوجوده:

  • إرادة الاختبار: خلق الله الكون كله ليكون مسرحاً لاختبار الإنسان. هذا الاختبار لا ينجح إلا إذا شعر الإنسان بأن هناك من يراقبه ويحاسبه ويجيب دعاءه. فـ الاهتمام هو جزء من آلية الاختبار.
  • حكمة الاستجابة: لو لم يستجب الله للمضطر (الفرد الصغير) ويغفر للمستغفر، لما تحققت العبودية. الاهتمام بنا هو الذي يدفعنا للتوحيد واللجوء إليه.
  • الوجود ليس عبثاً: لو كان الأمر مجرد خلق عظيم غير مبالٍ، لكان الوجود كله عبثاً. لكن اهتمام الخالق بتفاصيل حياة أصغر مخلوق (الإنسان) هو الذي يضفي القيمة والمعنى على وجوده وعلى هذا الكون المسخَّر له.

خلاصة القول: عظمة الكون لا تُقلل من اهتمام الخالق بك؛ بل على العكس، اهتمامه بك رغم عظمة الكون هو أعظم دليل على كماله المطلق، وسعة رحمته، وتفرّد مكانتك في هذا الوجود.

إقرأ أيضا:الديانات كثيرة والعمر قصير، فهل يكفي العمر لفحصها؟
صورة الملف الشخصي
السابق
لماذا خلقنا الله؟ ولماذا لم يأخذ رأينا قبل أن يخلقنا؟
التالي
تاخير الصلاه