كيف يغضب الله وهو يعلم الغيب؟ بين علم الأزل وحكمة التكليف
هذا السؤال يمثل نقطة التقاء وتحدي بين صفتين عظيمتين من صفات الله تعالى: صفة العلم المطلق (الذي يشمل علم الغيب) وصفة الغضب (كفعل من أفعاله تعالى). يثير التساؤل: إذا كان الله يعلم مسبقاً أن العبد سيعصي، فكيف يغضب منه عند وقوع المعصية؟ أليس هذا ينافي الكمال؟
للإجابة على هذا الإشكال، يجب أولاً تحرير مفهوم صفات الله، ثم فهم العلاقة بين علمه المسبق واختيار العبد.
1. تحرير مفهوم صفات الله: التنزيه عن مماثلة المخلوق
إن الخطأ الأول الذي يقع فيه المعترض هو قياس صفات الخالق على صفات المخلوقين.
أ. الغضب صفة حقيقية تليق بالله (بلا تكييف أو تمثيل)
يثبت أهل السنة والجماعة صفة الغضب لله تعالى كما وردت في القرآن والسنة، مثل قوله تعالى:
(النساء: 93)
الغضب الإلهي ليس كغضب البشر:
- غضب المخلوق: هو انفعال نفسي، غليان للدم، وشرر يسبق الفعل، ويؤدي إلى فقدان السيطرة في الغالب.
- غضب الخالق: هو صفة كمال تليق بجلاله، لا تتضمن نقصاً ولا انفعالاً نفسياً يجر إلى السوء. هو إرادة الانتقام والعقوبة من العاصي والمتمرد. إنها صفة مدح في حق الله، لأنه يغضب في محله الصحيح؛ وهو الانتهاك لحرماته والظلم لعباده، وغضبه لا يتخلف عنه الحكمة والعدل.
إقرأ أيضا:الديانات كثيرة والعمر قصير، فهل يكفي العمر لفحصها؟
ب. الفصل بين الصفة ولازمها
قد يفسر البعض الغضب بالانتقام أو العقاب. والصحيح أن الغضب صفة، والانتقام أو العقاب هو أثر من آثارها. فالله إذا غضب، ترتب على غضبه العقاب والعذاب، لكن صفة الغضب نفسها ثابتة وحقيقية لله تعالى.
2. العلاقة بين علم الله المسبق واختيار العبد
علم الله الأزلي والكلي لا يتعارض مع تجدد غضبه عند وقوع المعصية، للأسباب التالية:
أ. علم الله غير مُلزِم للعبد
علم الله بما سيقع هو علم بـ “ما سيكون” وليس “إجباراً على الكينونة”.
- العلم والكتابة لا يعني الإكراه: الله يعلم أن زيداً سيختار المعصية، ويكتب ذلك في اللوح المحفوظ، ولكن هذه الكتابة هي تسجيل لـ “ما سيحدث” باختيار العبد، وليست إكراهاً لزيد على فعل المعصية. لو لم تكن هناك حرية اختيار، لانتفت الحكمة من خلق الجنة والنار.
- الغضب على الفعل لا على العلم: الله يغضب عند وقوع الذنب من العبد الذي اختار طريق المخالفة بإرادته الحرة بعد أن أُعطي الأدوات (العقل، السمع، البصر) وأُرسلت إليه الرسل والبينات. علم الله السابق لا يمنع من وقوع الحادثة في زمنها المحدد، وعند وقوعها يتجدد الغضب الإلهي الذي هو صفة فعلية تتعلق بمشيئته سبحانه.
إقرأ أيضا:هل أنت مسلم بدون إذنك؟
ب. الغضب مرتبط بـ “المُوقِف الفعلي”
إن الغضب الإلهي يكون مرتبطاً بـ مناسبة حدوث المعصية فعلاً من العبد، وليس بـ “العلم بها في الأزل”.
- العدل الإلهي: لو غضب الله من العبد قبل خلقه أو قبل وقوع معصيته، لكان غضباً على العدم، وهذا ينافي العدل والحكمة. ولكن غضبه يتنزل عندما يمارس العبد اختياره السيئ ويكفر بالنعمة.
- باب التوبة والرجاء: لو كان الغضب أزلياً ومستمراً منذ الأزل دون تجدد مرتبط بالمعصية، لما كان هناك معنى للتوبة، ولما كان هناك فضل لرضا الله بعد التوبة. وجود صفة الغضب الفعلية التي تتجدد عند المعصية هي التي تفتح باب الرجاء في تجدد صفة الرضا عند التوبة والإنابة.
الخاتمة: حكمة الغضب الإلهي
إن الغضب الإلهي، على الرغم من علمه المسبق، هو منتهى الكمال الإلهي والعدل المطلق، ويحمل في طياته حكمة عميقة:
- إقامة العدل: هو إعلان عن أن الظلم والباطل لا يمكن أن يستقرا في ملكه، وأن هناك حساباً ينتظر المتمردين.
- تحفيز المؤمنين: يجعل المؤمنين يخشون عظمة الله ويسارعون إلى الطاعة، ويدل على أن الطاعة والفعل الحسن يورثان الرضا الإلهي الذي هو أعظم غاية.
فلا تعارض بين علم الله بكل شيء في الأزل، وبين حكمة إظهاره للغضب والرضا في أوقات محددة مرتبطة بأفعال العباد واختياراتهم الحرة. وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “الغضب معروف: ضد الرضا… ولكن لا يُعلم كيفية رضاه سبحانه وتعالى، ولا كيفية غضبه إلا هو جل وعلا”.
إقرأ أيضا:لماذا يأتي لفظ الجلالة “الله” بصيغة المذكر؟الخلاصة: إن الله يغضب حقيقة عند وقوع المعصية من العبد المختار، رغم علمه المسبق بها، لأن علمه لا يغير من كون الفعل قبيحاً يستوجب العقاب.
