الحديث المرسل في علم المصطلح: تعريفه وحكم الاحتجاج به
يُعد الحديث المرسل أحد أقسام الحديث الضعيف المشهورة في علم مصطلح الحديث، وهو موضع بحث دقيق وخلاف عميق بين علماء الحديث والفقهاء حول حجيته في إثبات الأحكام الشرعية.
أولاً: تعريف الحديث المرسل
لغةً: الإرسال يعني الإطلاق والترك، فكأن الراوي “أطلق” الإسناد ولم يقيده بالذكر التام لجميع رواته.
اصطلاحاً (عند المحدثين): هو ما رفعه التابعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون ذكر الصحابي الذي روى عنه مباشرة.
بصيغة أوضح، يكون سند الحديث المرسل على النحو التالي:
أي أن الراوي (التابعي) يقول: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا”، دون أن يذكر الصحابي الذي سمع منه الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، فيحدث انقطاع في سلسلة الإسناد بين التابعي والنبي.
مثال: ما رواه سعيد بن المسيب (وهو من كبار التابعين) أن: “رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المزابنة والمحاقلة“. فسعيد لم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أسقط من السند الصحابي الذي سمع منه النهي.
إقرأ أيضا:إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير
ثانياً: حكم الحديث المرسل وحجّيته
اختلف العلماء في حكم الحديث المرسل، وهذا الاختلاف نابع من الشك في حال الراوي المحذوف (الصحابي):
1. مذهب جمهور المحدثين (الرد):
ذهب جمهور المحدثين، وكثير من الفقهاء والأصوليين، وعلى رأسهم الإمام مسلم والإمام الشافعي في الأصل، إلى أن الحديث المرسل حديث ضعيف لا يُحتج به مطلقاً؛ والعلة في ذلك هي الجهل بالراوي المحذوف، فمن المحتمل أن يكون هذا الراوي المحذوف (الذي أسقطه التابعي) شخصاً ضعيفاً أو مجهولاً، وبالتالي يؤدي حذفه إلى ضعف في السند.
2. مذهب الأحناف والمالكية (القبول):
يرى الإمام أبو حنيفة والإمام مالك وطائفة من العلماء أن الحديث المرسل مقبول ويُحتج به مطلقاً، إذا كان المرسِل (التابعي) ثقة، وحجتهم في ذلك أن التابعي الثقة لا يروي عن النبي إلا عن صحابي أو تابعي آخر ثقة، فكونه حذف الراوي يدل على ثقته به.
3. مذهب الإمام الشافعي في التفصيل والقبول المشروط:
ذهب الإمام الشافعي، وهو أعدل الأقوال وأكثرها تحقيقاً، إلى قبول الحديث المرسل بشروط خاصة إذا اعتضد بأمر يقويه. وتفصيل شروط القبول يكون في نقطتين:
إقرأ أيضا:أحاديث الأربعين النوويةأ. الشروط المتعلقة بالمرسِل (التابعي):
- أن يكون من كبار التابعين.
- أن يكون إذا سمّى من أرسل عنه سمّى ثقة؛ أي أنه معروف بالتحري في الرواية.
- أن يكون غير مخالف للثقات؛ بحيث لا تتعارض روايته المرسلة مع الروايات المسندة الصحيحة.
ب. الشروط المتعلقة بالحديث المرسَل (المعاضدة): بالإضافة إلى شروط المرسِل، يجب أن يأتي الحديث المرسل بما يقويه، مثل:
- أن يُروى الحديث من طريق آخر مسند متصل صحيح (فهذا يؤكد صحته).
- أن يُروى من طريق آخر مرسل، أرسله راوٍ آخر غير الأول، ولم يأخذ عن شيوخه (مما يدل على تعدد مخرج الحديث).
- أن يُوافق قول صحابي (موقوف).
- أن يتلقاه أهل العلم بالقبول ويفتي بمقتضاه أكثر الأئمة.
إذا توفرت هذه الشروط، ارتقى الحديث المرسل من الضعف إلى درجة القبول، وصار حجة في العمل.
ثالثاً: مرسل الصحابي
يوجد نوع خاص من الإرسال يسمى “مرسل الصحابي”، وهو ما أخبر به الصحابي عن قول أو فعل للنبي صلى الله عليه وسلم لم يسمعه أو يشاهده بنفسه، بل رواه عن صحابي آخر.
إقرأ أيضا:ادخلوهم برحمتى الجنةحكمه: مقبول وحجة بالإجماع، لأن الصحابة كلهم عدول، والراوي المحذوف في هذه الحالة لا يمكن أن يكون إلا صحابياً، وجهالة الصحابي لا تضر لثبوت عدالتهم جميعاً.
الخلاصة: الحديث المرسل هو انقطاع في السند بين التابعي والنبي صلى الله عليه وسلم. هو ضعيف في الأصل عند المحدثين، ولكنه يصبح مقبولاً وحجة إذا توافرت فيه شروط القبول الدقيقة التي وضعها العلماء للترجيح، والتي تضمن أن يكون له أصل صحيح يؤيده.
