مقدمة عن مقام الأنبياء في الإسلام
الأنبياء عليهم السلام هم صفوة الله من خلقه، اصطفاهم الله ليحملوا رسالاته ويهدوا الناس إلى التوحيد والصلاح. في الإسلام، يُعتبر الأنبياء معصومين من الكبائر والصفات القبيحة، وهم قدوة في الأخلاق والتقوى. ومع ذلك، تحتوي التوراة المحرفة على روايات تنسب إلى الأنبياء أفعالًا لا تليق بمقامهم، ومن بينهم النبي داود عليه السلام. في هذا المقال، سنستعرض الافتراءات التي وردت في التوراة المحرفة عن داود عليه السلام، مع مقارنتها بما ورد في القرآن الكريم، وتوضيح الحقيقة الإسلامية التي تُنزه الأنبياء عن الرذائل. كما سنبرز لماذا تُعتبر هذه الروايات دليلًا على تحريف التوراة.
وصف داود عليه السلام في القرآن الكريم
قبل تناول الروايات المحرفة، من المهم استعراض مكانة داود عليه السلام في القرآن الكريم لفهم عظمته كما وصفه الله. ورد ذكر داود عليه السلام في عدة سور، منها سورة البقرة، النساء، الأنعام، الإسراء، وص، وغيرها. من أبرز صفاته في القرآن:
-
النبوة والملك: قال تعالى: وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ (البقرة: 251). يُظهر هذا أن الله منحه الملك والنبوة، وهي الحكمة التي تشمل العلم والفقه في الدين.
-
إنزال الزبور: قال تعالى: وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (النساء: 163). الزبور هو كتاب سماوي أُنزل على داود ليهدي به بني إسرائيل.
إقرأ أيضا:تلاميذ المسيح عليه السلام بعد رفعه: الحقيقة المغيبة بين النور والظلام -
القوة في الدين: قال تعالى: وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (ص: 17). وصف الله داود بـ”ذا الأيد” أي القوة في العبادة والطاعة، وبـ”أواب” أي كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والطاعة.
-
تسخير الجبال والطيور: قال تعالى: إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (ص: 18). هذه معجزة عظيمة تُظهر مكانته عند الله.
-
الحكمة وفصل الخطاب: قال تعالى: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (ص: 20). أُوتي داود القدرة على الحكم بالعدل والفصل بين الخصوم بمنطق قوي.
هذه الصفات تُبرز داود عليه السلام كنبي كريم، قوي في الدين، عابد، حكيم، وقائد عادل لبني إسرائيل، مما يتناقض تمامًا مع الروايات المحرفة في التوراة.
الافتراءات على داود عليه السلام في التوراة المحرفة
تحتوي التوراة المحرفة، وبالأخص سفر صموئيل الثاني (الإصحاح 11)، على روايات تنسب إلى داود عليه السلام أفعالًا لا تليق بمقام الأنبياء. من أبرز هذه الافتراءات:
-
الزنا والقتل: زعمت التوراة المحرفة أن داود عليه السلام رأى امرأة تدعى بثشبع، زوجة أوريا الحثي أحد قادة جيشه، فاشتهاها وزانى بها، فحبلت منه. ثم حاول إخفاء فعلته بإحضار أوريا من المعركة، وعندما رفض أوريا العودة إلى بيته، أمر داود بإرساله إلى مقدمة الجيش ليُقتل، ثم تزوج بثشبع بعد مقتل زوجها.
إقرأ أيضا:عقيدة النصارى -
الافتراء على أخلاقه: هذه الرواية تُصور داود عليه السلام كشخصية تابعة للهوى، بعيدة عن العدل والتقوى، مما يتناقض مع وصفه في القرآن كـ”ذا الأيد” و”أواب”.
-
تحريف مقام النبوة: هذه الروايات تُظهر اليهود وهم ينسبون إلى الأنبياء صفات الضعف البشري الشديد، دون مراعاة لمقام النبوة الذي يتطلب العصمة من الكبائر والرذائل.
يقول العلماء المسلمون إن هذه الروايات محض افتراء ودليل واضح على تحريف التوراة، لأن الله اصطفى أنبياءه وجعلهم قدوة في الأخلاق والتقوى.
تنزيه داود عليه السلام في القرآن الكريم
القرآن الكريم يُنزه داود عليه السلام عن هذه الافتراءات، ويُقدم صورة مغايرة تمامًا تُبرز عظمته وعدله. من أبرز القصص القرآنية التي تُظهر هذا التنزيه:
-
قصة الخصمين: في سورة ص (الآيات 21-26)، يذكر الله قصة دخول خصمين على داود في محرابه، حيث تسورا الجدار وطلبا منه الحكم في قضية تتعلق بنعجة. قال تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (ص: 21). حكم داود في القضية، ثم ظن أنه قد فُتن، فاستغفر ربه وسجد. يرى العلماء، مثل الشنقيطي وابن العربي، أن استغفار داود لم يكن بسبب خطيئة كبيرة، بل بسبب ظنه أن الخصمين جاءا لقتله، أو لأنه حكم دون سماع الطرف الآخر، وهذا لا يرقى إلى مستوى الكبائر.
إقرأ أيضا:الله في الاسلام -
تفسير الاستغفار: يقول الخازن في تفسيره إن الله وصف داود بـ”عبدنا” و”ذا الأيد”، مما يدل على تنزيهه عن أي فعل ينافي النبوة. الاستغفار كان تعبيرًا عن تواضعه وكثرة إنابته إلى الله، وليس دليلًا على ارتكاب ذنب كبير.
-
رد الافتراءات: العلماء المسلمون، مثل أهل التفسير، أجمعوا على أن الروايات التي تنسب إلى داود الزنا أو القتل لا تصح لا من النقل ولا من المعنى، لأن الأنبياء معصومون من مثل هذه الأمور. يقول العلماء إن هذه القصص مستمدة من الإسرائيليات التي نقلها بعض المفسرين دون تمحيص، وهي لا تليق حتى بأفسق الملوك، فكيف بنبي كريم؟
أسباب تحريف التوراة وأثرها على صورة الأنبياء
تحريف التوراة، كما ورد في المصادر الإسلامية، نتج عن عدة عوامل:
-
الانحراف عن التوحيد: بعد نزول التوراة على موسى عليه السلام، بدأ اليهود في تحريف الكتاب تدريجيًا ليتناسب مع أهوائهم. قال تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ (المائدة: 13).
-
الطعن في الأنبياء: اليهود، كما ورد في القرآن، كانوا يقتلون الأنبياء ويفترون عليهم، كما في قوله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ (النساء: 155). هذا الانحراف دفع بعضهم إلى نسبة الرذائل إلى الأنبياء لتبرير أفعالهم.
-
الأغراض السياسية والاجتماعية: تحريف الروايات عن الأنبياء كان يهدف أحيانًا إلى تبرير سلوكيات بني إسرائيل أو إضفاء طابع بشري ضعيف على الأنبياء لتقليل هيبتهم.
هذه الافتراءات تُظهر تناقضًا واضحًا مع ما أكده القرآن من عصمة الأنبياء وكمالهم الأخلاقي.
دروس وعبر من تنزيه داود عليه السلام
-
عصمة الأنبياء: القرآن يؤكد أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وهم قدوة في التقوى والأخلاق. نسبة الرذائل إليهم دليل على تحريف الكتب السابقة.
-
أهمية الرجوع إلى القرآن: القرآن الكريم هو المصدر الوحيد المحفوظ من التحريف، وهو المرجع لتصحيح الروايات المحرفة عن الأنبياء.
-
العدل في الحكم: قصة الخصمين تُظهر أهمية العدل في القضاء، حتى لو أخطأ النبي في ظن أو اجتهاد، فإنه يستغفر ويرجع إلى الله.
-
الإخلاص في العبادة: وصف داود بـ”أواب” يحث المسلمين على كثرة التوبة والرجوع إلى الله في كل الأحوال.
تطبيق دروس الآية في الحياة اليومية
ليعيش المسلم وفق ما أُنزل عن داود عليه السلام في القرآن:
-
التأسي بالعدل: السعي لتحقيق العدل في المعاملات والقضايا، والحذر من الحكم دون سماع جميع الأطراف.
-
قراءة الزبور بروحانية: على الرغم من أن الزبور الأصلي قد حُرف، يمكن للمسلمين التأمل في تسبيح الله والتقرب إليه بالذكر والدعاء.
-
الابتعاد عن الإسرائيليات: الحذر من الروايات غير الموثوقة التي تنقل عن أهل الكتاب دون تمحيص.
-
الإنابة إلى الله: الإكثار من الاستغفار والتوبة، كما كان داود “أوابًا”.
لماذا تُعتبر قصة داود من “آيات أنسى الوعاظ”؟
تُعتبر قصص داود عليه السلام في القرآن من “آيات أنسى الوعاظ” لأنها:
-
تُلخص جوهر النبوة والملك والعدل في شخصية داود.
-
تُبرز أهمية التوبة والإنابة إلى الله، حتى للأنبياء.
-
تُحذر من اتباع الهوى، كما في قوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (ص: 26).
-
تُظهر فضل الله على أنبيائه بإنزال الكتب وتسخير الخلق لهم.
الوعاظ يستخدمون هذه القصص لتحفيز الناس على الإيمان، التوبة، والعدل، ولتذكيرهم بمكانة الأنبياء كقدوة.
الأسئلة الشائعة
1. ما الافتراءات التي نسبتها التوراة المحرفة إلى داود عليه السلام؟
زعمت التوراة أن داود زنى بزوجة أوريا الحثي، ثم تسبب في قتله ليتزوجها، وهي روايات ينفيها القرآن ويُنزه داود عنها.
2. كيف يُنزه القرآن داود عليه السلام؟
القرآن يصفه بأنه “ذا الأيد” و”أواب”، ويذكر أنه أُوتي الملك والحكمة والزبور، مما يؤكد عصمته وكماله الأخلاقي.
3. لماذا حُرفت التوراة؟
حُرفت التوراة بسبب انحراف بعض اليهود عن التوحيد، نقضهم للعهد، وقتلهم للأنبياء، ولأغراض سياسية واجتماعية تبرر سلوكياتهم.
4. كيف نتعامل مع الإسرائيليات؟
يجب تمحيص الروايات المنقولة عن أهل الكتاب، وقبول ما يتفق مع القرآن والسنة فقط، ورد ما يخالفهما.
خاتمة
النبي داود عليه السلام هو أحد أنبياء الله الكرام، وقد وصفه القرآن الكريم بصفات عظيمة تُبرز نبوته، عدله، وقوته في العبادة. في المقابل، تحتوي التوراة المحرفة على افتراءات تنسب إليه أفعالًا لا تليق بمقام الأنبياء، مثل الزنا والقتل، وهي روايات يرفضها الإسلام ويعتبرها دليلًا على تحريف الكتب السابقة. القرآن الكريم يُنزه داود عليه السلام ويُقدمه كنموذج للإيمان، التوبة، والعدل. يحثنا هذا على التمسك بالقرآن كمصدر الحق، والتأسي بالأنبياء في أخلاقهم وتقواهم، مع الحذر من الروايات المحرفة التي تسيء إلى مقام النبوة.
