مقدمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
لقد كان المسيح عيسى عليه السلام رسولًا من أولي العزم من الرسل، بعثه الله تعالى إلى بني إسرائيل لهدايتهم وتوحيدهم. وبعد رفعه إلى السماء، قام الحواريون، وهم تلاميذه الصادقون، بنقل تعاليمه ونشر دعوته، إلا أنّ الانحراف العقدي سرعان ما بدأ يتسلل إلى تعاليم النصارى، خاصة بعد قرون من الغياب النبوي والوحي، مما أفسح المجال لدخول أفكار بشرية، وتأثيرات فلسفية، وثقافات وثنية، أدت إلى انقسام النصرانية إلى فرق ومذاهب شتى.
ومن أبرز هذه الحركات المنحرفة التي ظهرت في تلك الفترة: المونتانية، والتي كانت إحدى العلامات الفارقة في تحول النصرانية من دعوة توحيدية بسيطة إلى عقيدة متشعبة مليئة بالبدع والانحرافات.
المرحلة ما بعد الحواريين: التحول نحو الانقسام
بعد رفع المسيح عليه السلام، استمرت دعوته في يد الحواريين الذين نشروا الإنجيل الحقيقي، المبني على التوحيد وعبادة الله وحده. إلا أن الخلافات العقائدية سرعان ما ظهرت، خاصة مع دخول مفاهيم يونانية ورومانية إلى الفكر النصراني.
بدأت بعض الفرق تدعي النبوة أو تتلقى “إلهامات” من الروح القدس، وظهرت مفاهيم جديدة حول طبيعة المسيح، وألوهيته المزعومة، وصلبه المزعوم، وهي عقائد دخيلة لم يعرفها الحواريون الأوائل.
إقرأ أيضا:بشارت الانبياء _موسى عليه السلام يبشر بظهور نبي ورسول مثلهمن هم المونتانيون؟
المونتانية أو النبوة الجديدة، هي حركة دينية نشأت في منتصف القرن الثاني الميلادي في فريجيا (منطقة في آسيا الصغرى)، وقد أسسها رجل يُدعى مونتانوس، والذي زعم أنه نبي يوحى إليه من الروح القدس.
انضم إليه امرأتان هما بريسكلا وماكسيميلا، ادعتا النبوة أيضًا. وكانوا يروّجون لفكرة أن روح الله تتكلم من خلالهم، وأن نهاية العالم وشيكة، وأنه يجب على المؤمنين أن يعيشوا حياة تقشف شديدة ويستعدوا للقيامة.
الانحرافات العقدية في المونتانية
من خلال منظور العقيدة الإسلامية، فإن المونتانية تعتبر انحرافًا صريحًا عن التوحيد الذي جاء به المسيح عليه السلام، ويتجلى ذلك في النقاط التالية:
🔹 الادعاء بالنبوة بعد المسيح: وهو باطل من وجهة النظر الإسلامية، حيث أن الله قد ختم الرسالات بعيسى عليه السلام لبني إسرائيل، ثم بالنبي محمد ﷺ للعالمين.
🔹 ادعاء الإلهام من الروح القدس: وهي من ادعاءات الباطل، لأن الوحي انقطع بعد عيسى عليه السلام حتى بعثة محمد ﷺ.
🔹 الإفراط في الزهد والتقشف: حيث وصلت إلى حد التحريم لما أحل الله، وهو غلو مذموم.
🔹 الدعوة لشرائع جديدة: خالفت ما جاء به المسيح، مما يناقض مفهوم اتباع الرسل واتباع وحي الله.
إقرأ أيضا:واجب المسلم تجاه هذا الواقعموقف الكنيسة من المونتانية
رغم أن المونتانيين ادعوا أنهم أكثر تمسكًا بالروح، إلا أن الكنيسة الرسمية رأت فيهم تهديدًا، فقامت بإقصائهم واعتبارهم هراطقة. ومع ذلك، استمرت أفكارهم في التأثير على التيارات النصرانية حتى مجيء الإمبراطور قسطنطين في القرن الرابع الميلادي.
مجيء قسطنطين وتثبيت الانحراف
في عهد الإمبراطور قسطنطين الكبير (حوالي 312م)، دخلت النصرانية مرحلة جديدة؛ إذ تبناها رسميًا وأصدر مرسوم ميلانو عام 313م الذي يضمن حرية العبادة. إلا أن هذا لم يكن إلا بداية التحريف المنظم.
تم عقد مجمع نيقية عام 325م الذي أقر عقيدة التثليث و”ألوهية المسيح”، ونُبذ الموحدون الذين رفضوا هذه العقائد، مثل أريوس وأتباعه، الذين كانوا أقرب إلى عقيدة التوحيد.
الإسلام يصحح المسار
جاء الإسلام ليكشف هذا التحريف ويعيد تصحيح المفاهيم العقدية:
﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ [النساء: 157]
إقرأ أيضا:الغنوصية: التيار السري الغامض الذي زلزل النصرانية قبل قسطنطين
﴿إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾ [النساء: 171]
وأعلن بوضوح أن الدين عند الله الإسلام، وأن كل الأنبياء دعوا إلى التوحيد، وأن التحريف وقع بعدهم.
خاتمة
إن دراسة تاريخ النصرانية بعد المسيح عليه السلام تكشف لنا كيف ضلت الأمم من بعد أنبيائها، خصوصًا حين تركوا الوحي واتبعوا الهوى. والمونتانية مثال حي على هذه الانحرافات المبكرة، والتي مهّدت الطريق لعقائد باطلة لا تمت للتوحيد بصلة.
وهذا يجعلنا أكثر تمسكًا بديننا، ويدفعنا للدعوة إلى التوحيد الصافي، كما علمنا القرآن الكريم وسنة النبي ﷺ.
