أحاديث

اتركوها فانها منتنة

بالتأكيد. تفضل بمقال شامل ومؤثر حول العبارة النبوية الشريفة: “اتركوها فإنها مُنْتِنَة”، مبيناً سياقها التاريخي، وحكمتها العظيمة في تحريم التعصب القبلي والعنصرية:


 

🗡️ “اتركوها فإنها مُنْتِنَة”: تحريم العصبيّة ونبذ القبلية في الإسلام

 

تُعد هذه العبارة النبوية الفاصلة “اتركوها فإنها مُنْتِنَة” من أبلغ وأقوى التعابير التي وردت في السنة النبوية الشريفة لوصف وتحريم التعصب القبلي والقومي الجاهلي. لقد جاء هذا الوصف ليعلن الإسلام حرباً لا هوادة فيها على كل ما يُفرق صفوف المسلمين، ويُعلي راية العصبية على راية التوحيد والإخاء الإيماني.


 

أولاً: سياق العبارة التاريخي (حادثة الأوس والخزرج)

 

جاءت هذه الكلمة النبوية الحكيمة في سياق حادثة وقعت في المدينة المنورة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بمثابة اختبار حقيقي لقوة الإخاء الإسلامي:

  • الخلفية: كانت العلاقة بين قبيلتي الأوس والخزرج (الأنصار) قبل الإسلام علاقة عداء وحرب تاريخية طويلة. بعد إسلامهم، تحولت هذه العداوة إلى محبة وأخوة صادقة ببركة الإيمان.
  • الفتنة: وقع نزاع يسير بين رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فاستغل بعض المنافقين الموقف ليوقدوا نار العصبية القديمة. صاح كل منهما: “يا للمهاجرين! ويا للأنصار!” (أي، نداء للعصبية القبلية).
  • الحكم النبوي: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم بهذا النداء الجاهلي، غضب غضباً شديداً وقال بحسم قاطع: “ما بالُ دَعْوَى الجاهِليَّةِ؟!” قيل: يا رسول الله، كَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلمته الخالدة: “دَعُوها، فإنَّها مُنْتِنَةٌ.” (متفق عليه).

 

إقرأ أيضا:أحاديث شريفة قصيرة

ثانياً: دلالة الوصف “مُنْتِنَة” (بواطن التحريم)

 

وصف العصبية بـ “المُنْتِنَة” لم يكن اختياراً عشوائياً، بل هو وصف دقيق يحمل دلالات عميقة للتحريم والتقبيح:

  1. النجاسة المعنوية: الانتشار والنتن صفة للقذارة والنجاسة. فالنبي صلى الله عليه وسلم شبه العصبية بالجيفة المتعفنة التي تؤذي وتمرض كل من يقترب منها.
  2. التفرقة والفساد: النتانة تعني أن هذا الأمر لا ينفع بل يفسد. فالعصبية لا تنتج إلا الفساد والتفرقة والعداء، وهي تهدم كيان الأمة من الداخل.
  3. الخروج عن الفطرة: إن التعصب لغير الحق هو خروج عن الفطرة الإنسانية السوية التي تدعو إلى العدل والتوحيد.

 

ثالثاً: العصبية المذمومة والعصبية المباحة (الضوابط)

 

يجب التمييز بين أنواع التجمعات والانتماءات في الإسلام:

النوع الحكم الشرعي الدافع والمقصد
العصبية المذمومة حرام ومُنتِنَة (تستوجب اللعن). الدعوة إليها تكون بناءً على الدم، أو القبيلة، أو العرق، أو الجنسية، لغرض التعالي على الآخرين أو أخذ الحق بغير وجه حق.
العصبية المباحة (النصرة) واجب شرعي (إذا كانت نصرة للحق). هي نصرة المسلم لأخيه المسلم على الحق، أو الدفاع عن الأهل والوطن بالحق والعدل، لا لمجرد الانتماء.

القاعدة الإسلامية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية.” (رواه أبو داود).

إقرأ أيضا:إنها ليست لفلان فيبوء بإثمه

 

رابعاً: جوهر الإسلام (الوحدة الإيمانية)

 

رسالة “اتركوها فإنها منتنة” هي تذكير دائم بأن أساس التجمع والتعامل في الإسلام هو عقيدة التوحيد لا عصبية القبيلة:

  • وحدة المنطلق: قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10).
  • وحدة الهدف: هدف المؤمنين هو إعلاء كلمة الله والتعاون على البر والتقوى.

إن الإسلام حطم كل حواجز الجاهلية، وساوى بين بلال الحبشي، وصهيب الرومي، وسلمان الفارسي، بجوار أبي بكر القرشي، ليجعل الميزان الوحيد هو التقوى والعمل الصالح.

إقرأ أيضا:أحاديث عن حفظ اللسان

خلاصة:

إن العبارة النبوية “اتركوها فإنها مُنْتِنَة” هي دعوة دائمة للمسلمين لنبذ كل أشكال التعصب التي تُفرّق ولا تجمع. إن مسؤولية الأمة اليوم تكمن في تنقية صفوفها من هذه الرائحة الخبيثة، وجعل الانتماء الأول والأخير للإسلام، حتى تبقى الأخوة الإيمانية هي الدرع الواقي من فتن الفرقة والجاهلية الحديثة.


هل تود مني كتابة مقال عن موضوع آخر يتعلق بالوحدة والأخلاق؟

السابق
حديث نبوي عن العلم
التالي
أحاديث عن حفظ اللسان