النبي محمد

استشهاد حمزة

 

مقال: حمزة بن عبد المطلب… أسد الله وسيد الشهداء

 

تظل غزوة أحد، التي وقعت في شوال من السنة الثالثة للهجرة، نقطة تحول مؤلمة وعميقة في تاريخ المسلمين، ليس فقط بسبب الخسارة العسكرية، بل بسبب المصاب الجلل الذي أدمى قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهو استشهاد عمّه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، “أسد الله وسيد الشهداء”.

كان حمزة رضي الله عنه بطل الإسلام، وصاحب الشكيمة والقوة، ورمز العزة للمسلمين منذ إسلامه المبكر الذي كان فتحاً عظيماً للدعوة. شهد بدراً وأبلى فيها بلاءً عظيماً، فكان له دور حاسم في انتصار المسلمين، وكان أحد فرسان الصف الأول الذين أرهبوا قريشاً.

 

غزوة أحد: ملحمة الاستشهاد

 

في غزوة أحد، خرج حمزة رضي الله عنه يقاتل ببسالة لا مثيل لها، كأنه عاصفة تهدم صفوف المشركين. كان يصول ويجول سيفه يفتك بالفرسان، حتى بلغ من المشركين مقتلاً عظيماً.

إلا أن القدر كان قد كتب لحمزة الشهادة على يد رجل كان يتربص به، وهو وحشي بن حرب، غلام جبير بن مطعم. وكانت قريش قد حرضت على قتل حمزة لأخذ الثأر منه، فقد كان جبير بن مطعم يريد الثأر لعمه طعيمة بن عدي الذي قُتل في بدر، كما أن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان (ووالدة معاوية رضي الله عنهما قبل إسلامهما) كانت قد حلفت لتنتقمن من حمزة لقتله أباها وأخاها وعمها في بدر. وعدت هند وحشياً بالكثير، ووعده سيده جبير بالحرية إن قتل حمزة.

إقرأ أيضا:سنة وفاة الرسول

كان وحشي رجلاً حبشياً مشهوراً بمهارته الفائقة في رمي الحربة، قلما يخطئ هدفه. يحكي وحشي قصته بنفسه، فيقول إنه ظل يترقب حمزة، الذي كان يهد صفوف المشركين كالأسد. وعندما سنحت له الفرصة، بعد أن عثر حمزة أو اشتغل بقتال رجل آخر، رماه وحشي بحربته عن بعد، فأصابت خاصرته وخرجت من بين رجليه. سقط حمزة شهيداً، ولحق وحشي بجيشه، بعد أن أتم مهمته التي نال بها حريته.

 

حزن النبوة والتمثيل بالجثمان

 

لم يتوقف الأمر عند استشهاد حمزة رضي الله عنه. فعندما انتهت المعركة، قامت هند بنت عتبة – بدافع حقد الثأر – بالتمثيل بجسد حمزة تمثيلاً شنيعاً، فشقت بطنه وأخرجت كبده، محاولة أكلها، ثم جدعت أنفه وقطعت أذنيه، ووضعت منهما قلادة تفاخراً.

لقد كان مشهد حمزة بعد استشهاده من أشد المناظر ألماً على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم. عندما رآه ممثلاً به بكى بكاءً شديداً وحزن حزناً عظيماً لم يسبق له مثيل، وقال كلمته المؤثرة: “لن أُصاب بمثلك أبداً”، وتوعد المشركين بالمُثلة، إلا أن الله تعالى أنزل آيات تحرم التمثيل بالجثث، فكفّ النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

 

سيد الشهداء

 

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفن حمزة وبقية شهداء أحد في أماكن استشهادهم، دون تغسيل، ودفن حمزة مع ابن أخته عبد الله بن جحش في قبر واحد. وعند التكفين، لم يُوجد لحمزة إلا ثوب قصير إذا غطى رأسه ظهرت رجلاه، وإذا غطى رجليه ظهر رأسه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يُغطى رأسه، ويُجعل على رجليه من نبات الإذخر (طيب الرائحة).

إقرأ أيضا:ما الطعام الذي كان يحبه الرسول

وبقي حمزة رضي الله عنه محفوراً في ذاكرة الأمة بلقبه العظيم “سيد الشهداء”، لأنه قدم روحه فداءً لله ورسوله، فجمع بين القوة والشجاعة والبذل والتضحية. كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب”.

إن قصة استشهاد حمزة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي درس في الفداء، وبسالة لا تلين، وموقف النبوة العظيم تجاه الوفاء للعم الحبيب الذي كان سنده وعضده في أصعب أيام الدعوة. وظل مرقده عند جبل أحد شاهداً على أعظم تضحية في سبيل العقيدة.

السابق
متى توفي موسى بن النصير
التالي
ما معنى الخلفاء الراشدين