آيات الأحكام

فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف

مقال: “فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ”.. الميزان الإلهي لإنهاء وبناء الحياة الزوجية

تتجلى رحمة الشريعة الإسلامية وعدالتها في أدق التفاصيل المتعلقة بالحياة الأسرية، حتى في أصعب لحظاتها؛ وهي لحظة الانفصال. إنّ الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] ليست مجرد حكم شرعي، بل هي ميزان أخلاقي يُرسّخ مبدأ المعروف كأساس لدوام العلاقة أو إنهائها.

 

أولاً: قاعدة “المعروف” الشاملة

 

إنّ تكرار كلمة “بمعروف” في موضع الإمساك (المراجعة) وموضع التسريح (الطلاق النهائي) يرفع الأمر من مجرد حكم قانوني إلى سُلّم القيمة الإنسانية والأخلاقية.

1. الإمساك بالمعروف: الإمساك هو مراجعة الزوجة المطلقة طلاقاً رجعياً خلال فترة عدتها، ويكون هذا الإمساك “بمعروف” إذا كان القصد منه:

  • حُسن العشرة: أن تكون نيته استئناف الحياة الزوجية على أسس المودة والرحمة والقيام بحقوق الزوجة كاملة.
  • إزالة أسباب الطلاق: السعي الجاد لحل المشكلات التي أدت إلى الطلاق الأول، فلا تكون المراجعة مجرد إبقاء للمرأة معلّقة أو مضارة.
  • النفقة والكسوة: القيام بالواجبات المالية كاملة كما أمر الشرع والعُرف.

2. التسريح بالمعروف (والإحسان): التسريح هو ترك المطلقة حتى تنقضي عدتها وتبين منه بيونة صغرى أو كبرى، ويكون هذا “بمعروف” (وفي آية أخرى: “بإحسان”) إذا كان القصد منه:

إقرأ أيضا:لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
  • تخلية السبيل: عدم العرقلة لتبدأ حياتها الجديدة، سواء بالزواج أو غيره.
  • أداء الحقوق: دفع مؤخر الصداق، وتسليمها نفقة العدة، والمُتعة إن وجبت، وأي حق مالي لها.
  • الستر وعدم التشهير: عدم الإساءة إليها بالقول أو الفعل بعد الفراق، بل يجب الإحسان حتى في الفراق، ليظل لكل طرف احترامه وكرامته.

 

ثانياً: تحريم الإمساك للضِّرار

 

أشد ما حذّرت منه الآية هو تحويل حق المراجعة إلى وسيلة ظلم وجور: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾.

كان من سُنن الجاهلية أن يطلق الرجل زوجته ثم يراجعها قبل انقضاء العدة بمدة وجيزة، لا حباً فيها، بل لتطويل العدة عليها وحرمانها من الزواج، فيكون بذلك قد أضر بها واعتدى على حقها الشرعي. فجاءت الآية لتسد هذا الباب وتجعل منه اعتداءً على حدود الله.

  • الضرار: هو القصد من المراجعة الإضرار بالمرأة وتضييع الفرصة عليها.
  • الاعتداء: هو تجاوز لحدود الله وأوامره.

وفي هذا تحذير إلهي صريح: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾. فكل ظلم للغير، هو بالأساس ظلم للنفس بإيقاعها في الإثم والعقوبة.

 

ثالثاً: ضوابط إلهية للأسرة

 

إقرأ أيضا:ويقيمون الصلاة: دراسة شاملة في ضوء القرآن والسنة

تتجاوز هذه الآية حدود العلاقة الزوجية لترسم أفقاً أوسع لتعامل المسلم مع أحكام الدين:

  1. الزوجية ليست مِلكية: الطلاق يوضح أن العلاقة الزوجية هي عقد شراكة وميثاق غليظ، وليس عقد استرقاق ومُلكية، وللرجل حق الحل، لكن بضوابط إنسانية وأخلاقية صارمة.
  2. التشريع لا يقبل الهزل: ختمت الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾. وهو نهي عن الاستهزاء بالشرع بالتلاعب بألفاظ الطلاق والمراجعة أو استخدام الأحكام الشرعية كأداة للمكر والضرر، فالطلاق والزواج والرجعة أمور عظيمة لا تقبل الهزل.
  3. العلم والتقوى أساس التعامل: ذكّرت الآية في نهايتها بالتقوى والعلم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وهذا يرسخ مبدأ الرقابة الذاتية، فالرجل قد يراجع زوجته في السر بنية الإضرار دون أن يعلم الناس، لكن الله يعلم نيته وسيحاسبه عليها.

خلاصة: إنّ مفهوم “المعروف” في هذه الآية هو القطب الذي تدور عليه أحكام الأسرة في الإسلام. إنه يمثل خلاصة التشريع القائم على العدل والرحمة، ويجعل من استمرار الحياة الزوجية (الإمساك) أو إنهائها (التسريح) عملاً أخلاقياً يُحاسَب عليه المسلم أمام خالقه. فإما استمرار كريم، وإما فراق شريف.

صورة الملف الشخصي
السابق
إن الصفا والمروة من شعائر الله
التالي
أحكام الرضاعة والحضانة